الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

يوليو .. ثورة شعب مصر ام شعب الأخوان "الحلقه الخامسه"

"سنقضي على الإرهاب وسنقضي على الغدر وسنقضي على هذه الوسائل البغيضة التي لا تسمح بوجود الديمقراطية وعند هذا يا إخواني سنقيم في هذا الوطن كما وعدناكم ديمقراطية حقيقية ديمقراطية سليمة أنا لا أفهم مطلقا أن تقوم في هذا الوطن ديمقراطية وفيها إرهاب وفيها تنظيمات سرية وفيها رصاص يوجه إلى المواطنين باسم الدين وباسم الإسلام باسم الخداع وباسم التضليل" خطاب جمال عبد الناصر , 29 أكتوبر 1954
ألم يان لمصر ان تستفيق من هذا الكابوس الذى جثم على صدرها و اطبق على انفاسها سنينا طويله , هذا الكابوس المخيف المسمى الأخوان , لقد كانت مصر قبل 1928 شيئا و بعد هذا التاريخ و بعد تكوين جماعة الأخوان تحول مسار مصر الى شيئ اخر , البعض يتهم القصر و الملك بالفساد و العربده و الأهمال فى شئون البلاد و العباد , محقون و مخطئون , أخرون يتهمون عبد الناصر بالديكتاتوريه و العتو و الطغيان , محقون و مخطئون , يتهمون السادات بالأنفتاح الغير محسوب و السبب فى اعادة انتاج الراديكاليه و الرجعيه الدينيه الزائفه , محقون و مخطئون , يرمون مبارك بالفساد و تردى حال الشعب بلا اى اهتمام , كل ما يقال على هؤلاء القاده و الزعماء يحمل جانب من الصحه و جوانب من التجنى الناجم عن عدم الادراك للصوره الكامله , و لكن الأهم من كل هذه الأتهامات هو ادراك حقيقة ان هناك تنظيم سفلى دموى غزا مصر منذ 1928 , من وقتها و تبدل حال مصر , مصر التى كانت مهدا لكل الحركات الدينيه و الاصلاحيه و الفكريه , مصر التى كانت تصدر الفن و الثقافه و السياسه و الرقى للعالم كله , بعد هذا الغزو الارهابى متمثلا فى جماعة الأخوان اصبحت المستورده الأولى لكل الافكار المتهالكه و الرجعيه و ارضا خصبه للتقاتل و التناحر و الدم و الغدر.
لقد احدثت حركة تنظيم الأخوان فى مصر صحوة حقا , لقد كان الشعب المصرى مغمضا لعينيه , و فاتحا قلبه و عقله لكلمات محمد عبده و عبد الله النديم , منشدا بهتافات عرابى و سعد زغلول , يدندن بأغانى ام كلثوم مستحضرا شاطئ النيل و انغام الجندول تهيم على صفحته , فكانت رصاصات الغدر و الارهاب التى اطلقتها جماعة الأخوان كفيله بأن تحدث صحوه من حلم الوطن الجميل لواقع من المؤامرات و التضليل و الخيانه.
لقد اعتمد تنظيم الأخوان منذ ان اعلن عن نفسه على ركيزتين اساسيتين و لازال , الأولى هى مجموعه من الشباب و الرجال , الناقمين و المنبوذين مجتمعيا , يبحثون عن عالم وهمى افتراضى يجعل منهم ساده و اصحاب قضيه , يجدوا ضالتهم فى من يضللوهم بعباءة الدراويش فيكفرون اهلهم و يقتلون غدرا بكل جبن و خسه اثباتا للرجوله المنتقصه و اشعارا بالجهاد الزائف , و الثانيه هى الأستقواء بأعداء الوطن من الخارج و الذىن ادركوا منذ مئات السنين موقع مصر عربيا و افريقيا و اسلاميا , فمصر هى قلب الأمه النابض و لو اردت بهم السوء فعليك بمصرهم , فكان تحالف الشيطان بين تنظيم الأخوان و الدول الكارهه لأسم مصر.
بعد نجاح حركة الضباط الاحرار فى السيطره على زمام الامور فى مصر , عينت الثورة اللواء محمد نجيب كأول رئيسا لجمهورية مصر العربيه , و كان نجيب رجلا طيب القلب و قائدا محبوبا داخل صفوف الجيش منذ ان تولى رئاسة نادى الضباط فكان يعمل على حل مشاكلهم و التقرب اليهم , و مما لا شك فيه ان نجيب كان شخصا لا مأخذ عليه , و لكن اللافت للنظر فى مذكراته التى روى فيها كيف "كان رئيسا لمصر" نجد التناقض الشديد بين ما يقتنع به و بين ما ينفذه و يزيل امضاؤه عليه , من قانون الأصلاح الزراعى لحل جماعة الأخوان للأعتقالات لحل الأحزاب و حتى فى قرار الأستقاله الذى اخذه ثم عاد فيه , ليس هذا اتهاما للرئيس محمد نجيب بشيئ قد يقلل من شأنه بقدر ما هى رؤية ان طبيعته السياسيه المتأرجحه جعلت تودد جماعة الأخوان اليه سهلا و تسببت فى الوقيعه بينه و بين باقى مجلس قيادة الثوره , و هو ما انتهى فيما بعد بتحديد اقامته و عزله من منصبه.
حين احتاج الضباط الأحرار لأسم كبير يمثلهم بدلا من ان تظل حركة من شباب الضباط قد لا يقتنع بهم جموع الشعب المصرى المعتاد على ان يحكمه و يخطب فيه اصحاب الشعر الابيض و الوجوه التى تحمل تجاعيدا بعدد السنين التى عاشوها , فلجأوا اول ما لجأوا الى عزيز المصرى و الذى كان ابا روحيا لحركتهم و منظرا لهم فى كثير من اوقات تحضيرهم للحركه , و لكنه رفض لكبر سنه و تقديره انه لا يستطيع تحمل مثل هذه المسئوليه فى هذا السن , فكان محمد نجيب , و الذى كان مقربا من عبد الحكيم عامر و بالتالى تعرف على عبد الناصر و أيد افكاره و قبل بهذه المهمه الشرفيه , لم يكن يحضر اجتماعاتهم و لا تحركاتهم لا قبل و لا بعد الرئاسه , كان على ما يبدوا مقتنعا بدور الحامى و المضحى و الاب الروحى دون ان يطلب ما هو اكثر , فهذا الجندى الحاصل على نجمة الشرف العسكريه و المثقف المتقن لسبع لغات , كان يعلم فى قرارة نفسه انه مؤيد اكثر من قائدا , واجهه مشرفه اكثر من عقل مدبر.
قرر مجلس الثورة الغاء جميع الأحزاب السياسيه و هو ما يعنى الغاء الديموقراطيه لفساد الحياه النيابيه قبل الثورة , و كان هذا القرار على هوى الأخوان و مرشدها المستشار السابق حسن الهضيبى و الذى قال ان الأحزاب تعمل لوجه الشيطان !! انهم الأخوان الذين يوهمون الناس انهم من انصار الديموقراطيه و التعدديه الحزبيه لضمان صلاح الحياه السياسيه و القرار التوافقى , بينما مرشدهم يرى ان هذا الجرم من صميم عمل الشيطان , الحقيقه الأكثر تجليا انهم كانوا بهذه المباركه لقرار حل الأحزاب يريدون الشماته فى عدوهم اللدود , الوفد , فطالما تم حل الوفد فلا تنظيم على الساحه غيرهم و هم ليسوا حزب سياسى حتى يشمله قرار الحل , هم جماعه دينيه و الدين منهم براء.
و هنا نرى شخصا قريبا من عبد الناصر و باقى قادة مجلس قيادة الثورة , شخصا ظهر فى هذه الفتره منذ نجاح ثورة الثالث و العشرين من يوليو بل و قبلها بقليل , لم يكن ايضا حتى هذا الوقت عضوا فى جماعة الأخوان , فكان مرجعا لأفكار الضباط الاحرار عن العداله الأجتماعيه و رفض القهر و الأستعباد , و لكن ما ان اصابته لعنه الأخوان , حتى تحول الى رجلا تكفيريا و نبذ نفسه عن كل ما كان قد حققه فى حياته الأدبيه و الفكريه بل و السياسيه و تحول لعدو الثورة الأول و المحرض الرئيسى فكريا على الفوضى و الكراهيه , انه سيد قطب , لم يظلمه عبد الناصر و رفاقه بل هو الذى ظلم نفسه حين قرر ان يتخلى عن الوطن فى سبيل الجماعه , فكلمة الوطن باقيه حقا و الجماعه الى زوال , و اختار قطب الجماعه , فكان مصيره الزوال كما سنروى فيما بعد.
بعد نجاح حركة الضباط الأحرار , تصدر المشهد السياسى فى مصر عدد من الشخصيات ممن ارتبط اسمهم بأسم جماعة الأخوان المسلمين , فى الفتره ما بين 1952 و حتى نهاية 1954 كانت فتره ملحميه فى علاقة الثوره و ضباطها بجماعة الأخوان , فنجد مجموعة من الأسماء الهامه و التى على اساسها ستبنى "حدوته" الثورة و الأخوان خلال هذين العامين , هذه الأسماء تتلخص فى رئيس مصر اللواء محمد نجيب , البكباشى عبد المنعم عبد الرؤوف , المستشار عبد القادر عوده , الشاعر و الاديب سيد قطب و المستشار الهضيبى مرشد الجماعه على استحياء و اخيرا محمود عبد اللطيف منفذ محاولة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر.
بدأت الأخوان فى فرض نفسها و محاولة ركوب الثورة كعادتهم و عرض طلباتهم المستمره على مجلس قيادة الثورة , حاول الأخوان ان يجعلوا ثورة 23 يوليو هى ثورة الأخوان و لكن ابى عبد الناصر و رفاقه الا ان تكون ثورة الشعب , كانت الطلبات متمثله فى الأطلاع على كل قرار قبل اعلانه , تشكيل الوزاره لابد ان يكون تحت اعينهم و بموافقتهم , حتى ان مجلس قيادة الثورة طلب منهم ترشيح ثلاث اسماء منهم ليكونوا وزراء فى اول حكومه بعد الثوره , فرشحوا اسماء غير معروفه و لم يتقبلها الضباط الأحرار فقد ارادوا اسماءا لها ثقل مجتمعى و خلفيات سياسيه حتى تكون حكومة الثورة من النخبه و يستشعر الشعب بداية التغيير , فطلب عبد الناصر اسم الشيخ الباقورى , فرفض الأخوان , و لكن الباقورى وافق على خدمة الثورة و الوطن و فضلهم على الجماعه و قرارها , فكان مصيره ان فصل من جماعة الأخوان , و عينته الثورة وزيرا للأوقاف.
ايضا حاول الأخوان اضافة اللمسات الأسلاميه الى قرارات الثورة , فأن لم يكن لنا وزراء او اعضاء بالقياده , فيكفى ان يستشعر المواطن من القرارات التى تتخذ انها قرارات تنتمى الى فكر الجماعه الذى نوهم به الساذجين من اعضاء التنظيم , فيعلم الجميع اننا من نقف خلف كل قرار , مثل طلبهم بفرض الحجاب على الشعب , رغم ان الكثير من بناتهم فى هذا الوقت "اقصد قيادات الجماعه" لم يكن محجبات اصلا , و لكنها عباءة الدرويش التى ينخدع بها المغيبين , و هو الطلب الذى ايضا عارضه عبد الناصر ليس لشيئ الا لأنه لم يكن وقت مثل هذه القرارات المجتمعيه , فالوطن فى حالة ثورة , و الشعب يغير جلده , يتخلص من الاستعباد و الاستعمار و الذل , و هذا شأن مؤسسات مثل الازهر و الاوقاف تتخذه كقرارا وقتما ترتأى صحته و وجوبه , و غيرها من الطلبات و العراقيل و التحكمات و التى ان دلت على شيئ لا تدل الا على دنو فكر الاخوان و عدم اهتمامهم بقضية الوطن , هم لا يعلون الا قضية الجماعة فقط , لا ينتمون لثورة او لشعب او لمستقبل امه , هم ينتمون فقط للجماعه .
و بدأ عبد الناصر يجرى مفاوضات مع المحتل الانجليزى للوصول الى اتفاقية جلاء , و لكن لم يكن هذا يهم الأخوان فى شيئ و خرجوا ينددوا بهذه المفاوضات حتى قبل ان يعرفوا بنودها , فهم يريدوا ان يضعوا العراقيل فقط امام مستقبل مصر و مستقبل ثورة 23 يوليو , و هددوا ان الاتفاقيه لن تمر على خير , و حدثت مظاهرات و اشباكات بجامعة القاهرة و غيرها من الميادين بمصر و وقع ضحايا و مصابين , الأمر الذى انتهى بأن اتخذ مجلس قيادة الثورة قراره بحل جماعة الأخوان للمرة الثانيه فى تاريخها فى عام 1953 , و صدر الأمر بأعتقال العديد من اعضائها و منهم المستشار السابق الهضيبى مرشد الجماعه .
و كان من ضمن من صدر ضدهم الأمر بالأعتقال , البكباشى عبد المنعم عبد الرؤوف , كان عبد المنعم عبد الرؤوف عضوا اصيلا فى جماعة الأخوان المسلمين قبل ان يبدأ تنظيم الضباط الأحرار فى التكوين , و كان همزة الوصل بين الحركه و بين تنظيم الأخوان فى الشهور الاولى من تكوين الحركه و تخطيطها لعمل الثورة و التحرك العسكرى و الشعبى الذى انتهى بأعلان بيان الثورة فى الثالث و العشرون من يوليو , و بعدها طلب مجلس الثورة من عبد المنعم عبد الرؤوف ان يتحلل من انتمائه لجماعة الأخوان و يكمل معهم مشوار الثورة الذى بدأوه , الا انه رفض , فقد كان مرض الاخوان قد تمكن من جسده و صارت الجماعه عنده هى الأصل و بدونها لا معنى لحياته او لدينه او لوطنه , كما يتوهمون , و لذا كان قرار ناصر اقصائه من مجلس القياده و ابعاده عن اى موقع يسمح له بمعرفة القرارات او يقربه من مركز العمليات , فظل يتنقل من وظيفه عسكريه الى اخرى و من سلاح الى سلاح حتى انتهى الى وظيفه مكتبيه مدنيه داخل الجيش , و كانوا يرصدون تحركاته و يعلمون علاقته بالتنظيم الاخوانى و بنظامهم السرى الخاص المسلح , و لذلك كان اسمه من ضمن اسماء المعتقلين فى عام 1953 بعد حل الجماعه و توجيه تهم العمل على قلب النظام و زعزعة الأمن , الا ان عبد المنعم عبد الرؤوف استطاع بطريقه او بأخرى ان يهرب من السجن الحربى , و اختبأ عند احد "أخوانه" , و يروى فى مذكراته كيف انه هو الذى انتقى محمود عبد اللطيف منفذ محاولة اغتيال عبد الناصر فى 1954 , و قام بتدريبه و اعداده لهذه المهمه , انها لعنة الأخوان , من يصاب بها تعمى بصره و بصيرته , فلا يراعى اهلا او اصدقاء و يبحث فى الدين عما يجعله يبرر ما يفعله من قتل و غدر , لقد حاول معه عبد الناصر حتى بعد ان انفصل عن مجلس قيادة الثورة تعددت اللقاءات بينه و بين عبد الناصر محاولا اقناعه بأن يبتعد عن هذا التنظيم الارهابى "كما يروى هو نفسه فى مذكراته و لكن بدون كلمة ارهابى" , و لكنه يأبى الا ان يكون عبدا للتنظيم و انتهى به الحال مخططا و مدبرا لقتل احد اصدقائه و زعيما قوميا بقدر جمال عبد الناصر.
و بين قرار حل الجماعه و انتهاء شهر العسل بين الأخوان و عبد الناصر , بين عبد القادر عوده و سيد قطب اصدقاء عبد الناصر , بين رئيس جمهوريه شرفى و مرشد جماعه ضعيف , و بين ثورة شعب و غدر جماعه , توالى الصدام الدموى الذى انتهى بحادث المنشيه الشهير و محاولة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر ....
و للحديث بقيه ....
د.حاتم حلمى عزام

للتواصل https://www.facebook.com/hatem.azam.5?ref=tn_tnmn

الحلقات السابقه http://hatemazzam.blogspot.com/

ليسوا ثوارا و ليسوا احرارا "الحلقه الرابعه"

ثلاثة من الرجال فى سن الشباب يصعدون سلما لعماره قديمه بحى السيده زينب و يطرقون باب شقه بالدور الثانى , ليفتح لهم الباب رجلا يبدو انه تجاوز الاربعين من عمره و يسمح لهم بالدخول مرحبا بهم , واحد من الثلاثه كان يتعامل مع المكان بصوره تظهر انها ليست اول زياره له بينما ظل الاثنين الأخرين يستكشفون تضاريس المكان و تفاصيله بنظرات الزائر لأول مره , جلسوا الأربعه بغرفة الصالون و بدأ صاحب المكان و كانوا ينادونه "عبد الرحمن" , بدأ يتحدث الى الرجلين و يشرح لهم تفاصيل و شروط و واجبات الأنضمام الى الجماعه , و ان البيعه التى هم مقدمون عليها خطوه هامه و فارقه و لا يجب اتمامها الا لو كانوا على قناعه تامه , و بدون مناقشه تذكر ابدى "جمال" و "خالد" موافقتهما على كلامه , و عندئذ بدأ "عبد الرحمن" فى ادخالهم واحدا تلو الأخر بغرفة المبايعه , شبه مظلمه , لا يرى المبايع وجه الشخص الذى يبايعه , و يضع يده على المنضده حيث يوجد المصحف و المسدس , و يقسم بالبيعه و بالسمع و الطاعه و بالتضحيه بالدم و الروح ...
انتهى الرجلان من البيعه و خرجا من الغرفه و هم مذهولين مما رأوه , و هموا بالأنصراف , ودعوا الرجل الذى استقبلهم و المدعو عبد الرحمن "السندى" , و الذى كان مسئول النظام الخاص بجماعة الأخوان , و خرجوا و بصحبتهم رفيقهم الثالث الذى قادهم الى المكان , و بمجرد خروجهم , نظر خالد "محى الدين" الى جمال "عبد الناصر" نظرة معروف ما ورائها من اسئله و فهمها جمال فسارعه قائلا "نتكلم بعدين مش دلوقتى".
كان الزعيم الخالد جمال عبد الناصر يتمتع بعقليه سياسيه و عسكريه فذه , لا يخطو الخطوه الا و قد حسب لها من الحسابات و قدر عواقبها القريبه و البعيده بكل حذر , و حين قرر مع زملائه الشروع فى تنظيم الضباط الأحرار ليكون اليد المنفذه لثورة الشعب المصرى ضد فساد الملك و سطوة الأحتلال الأنجليزى و محاربة الأقطاع و الأنتصار لحقوق الشعب المصرى فى العزه و الكرامه , كان لابد ان لا يترك بابا الا و يطرقه او تنظيما من شأنه ان يساعده هو و زملائه فى حركتهم التاريخيه , و من اهم هذه التنظيمات كان تنظيم الأخوان , لم يكن ناصر او خالد محى الدين او غيرهم من الضباط الأحرار اعضاءا فى جماعة الأخوان يوما , و لكن انضمامهم للنظام الخاص كان من قبيل التعرف على الأفكار و نشود المسانده فى الحركه التى يخططون للقيام بها , و الغريب ان نرى ان جماعة الأخوان تسنفذ الشباب فى درجات التحول من شخص طبيعى الى ان يصل الى مرحلة المبايعه ما بين الدروس و التوجيهات و فرق الجواله و التدريبات حتى يتأكدوا من صلاحيته و قدرته على خدمة النظام الخاص , اما فى حالة عبد الناصر و غيره فلم يتكبدوا مشقة الدعوه و التوجيه بل ادخلوهم الى مرحلة البيعه مباشرة , و هذا من صميم فكر الجماعه , فليس هدفهم كما يدعون الدين او التدين او الجهاد فى شيئ , فعندما وجدوا ان لأعضاء حركة الضباط الأحرار فائده من التعاون معهم , فقرروا ان ينظموا العمل بين نظامهم الخاص و بين حركة الجيش , و حفظا لماء الوجه امام باقى الأعضاء الممسوخ عقلهم , فكان لابد من ان ينفذوا الضباط البيعه بشكلها الماسونى المعروف حتى لا يتخلل الشك الى نفوس المغيبين من باقى اعضاء النظام.
قرر ناصر و محى الدين الخروج من هذا النظام الخاص للجماعه بمجرد ان خرجوا من باب العماره التى اتموا فيها بيعتهم , و توالت بعدها زياراتهم لعدد من التنظيمات الأشتراكيه و الشيوعيه , لم يتركوا بابا الا و قد طرقوه حتى تكون لحركتهم النافذه لثورة الشعب تأييدا شعبيا لا يعيق استكمال خطواتهم نحو التحرر و العداله.
بعد اغتيال البنا , تشرذمت جماعة الأخوان , و تفرقوا ما بين معتقل و هارب , اختفت الجماعه عن الساحه السياسيه و المصريه طيلة العام الذى تلا اغتيال البنا , حتى جاء عام 1950 و بدأت محاولات الجماعه فى الظهور مرة اخرى على استحياء.
و رغم العداء المحتدم بين الجماعه و حزب الوفد فقد ارتأى هذا التنظيم البرجماتى ان مصلحته الأن تقتضى التعاون مع حزب الوفد حتى يتسنى له الظهور على الساحه مره اخرى , و كان خطأ تاريخى وقع فيه الوفد ان لوث سمعته الوطنيه و رموزه الساطعه فى تاريخ مصر و وافق على التعاون مع الاخوان , كان الاتفاق ينص على ان يساعد تنظيم الأخوان حزب الوفد فى الأنتخابات و تولى الحكومه على ان يقوم الوفد فى المقابل بالأفراج عن اعضاء التنظيم المعتقلين
و بالفعل بدأ الأخوان فى الظهور الى الساحه السياسيه مره اخرى , و لكن هذه المره فى صورة التنظيم السياسى الذى يدير اموره بطريقه مجتمعيه بعيده عن الاعمال السريه و التفجيرات و الأغتيالات , و دارت المقترحات حول من يتولى منصب المرشد العام خلفا لأمامهم البنا , كانت من الاسماء التى اقترحها بعض الاعضاء و كانت تلقى قبولا لدى القصر و الملك هو اسم الشيخ الباقورى و الذى زار بعض المعتقلين من اعضاء التنظيم ليشاورهم فى الامر و لكنهم رفضوا بشده , و كان السبب ان الباقورى لم يكن على علم بكل تنظيمات الأخوان السريه و خاصة النظام الخاص و كذلك سلاح الوحدات , و هنا يجب ان نتوقف عند كلمة "سلاح الوحدات" و الذى كان مسئولا عنه صلاح شادى ...
هذا التنظيم الذى كان يضم ضباطا من الجيش و الشرطه ممن يدينون بالولاء لجماعة الأخوان , قد يحاول البعض ان يقارن سلاح الوحدات الأخوانى بتنظيم الضباط الأحرار و لكن شتان الفارق , فالضباط الأحرار قد يكونوا قد اختلفوا بالفعل مع قياداتهم و قرروا القيام بحركه عسكريه غير مسبوقه فى التاريخ المصرى الحديث و لكنهم كان ولائهم و انتمائهم قبل و بعد الثوره فقط للوطن و للشعب المصرى دون انشقاق او خيانة و لكن سلاح الوحدات الأخوانى فالضباط التابعين له ولائهم الأول و الأخير للجماعه , فهم جنود للجماعه و ليس لمصر و لا يستطيعون ان يقفوا موقف الحياد فى اى خلاف سياسى يتطلب التدخل منهم بحكم شرعيتهم كجيش و قوه امنيه وطنيه , و لعل اوضح صوره لهذا الفرق هو عبد المنعم عبد الرؤوف و الذى كان واحدا من الضباط الأحرار و عضوا بجماعة الأخوان , و بعد نجاح الثوره و الاتجاه الى ان يكون تشكيل مجلس الثوره خاليا من اى انتماءات حزبيه او توجهات دينيه و طائفيه , عرضوا على عبد المنعم عبد الرؤوف ان يختار ما بين الوطن او الجماعه و كان اختياره هو الجماعه , و هذه الخطوه تبلور و بشده فكر هذا التنظيم الذى يدين كل افراده بالولاء للجماعه فقط دون اى اعتبار لأى اولويات اخرى حتى لو كانت الدين او الوطن , ذلك انهم يتوهمون انهم هم الاسياد و ينظرون للشعب نظرة دونيه , فلا جيش او شرطه او ازهر او حكومه او قضاء افضل من الجماعه , و هو الفكر الذى يصنع منهم جماعه منبوذه و محظوره من داخلها قبل ان ينبذها المجتمع او يحظرها القضاء , و من المؤسف حقيقة ان هذا السلاح لازال يعمل ببعض افراد ينتمون الى مؤسستى الجيش و الشرطه فى سريه دون ان يتعرف عليهم الشرفاء ممن يحملون امانة الوطن و لكن الجيد انهم كما بدأوا يستمرون , قله خائفه منبوذه ينتمون لجماعه محظورة اقل ما توصف به انها ارهابيه.
بعد رفض الباقورى لتولى مهمة المرشد , ظهر توجه جديد تماما و اسم لم يكن ينتمى اصلا للأخوان , كانت تربطه صداقه قويه بحسن البنا , المستشار حسن الهضيبى , و الذى كان قاضيا بمحكمة النقض , و لاقى هذا الأسم قبولا داخل القصر و عند الحكومه المصريه و لكن هذا القبول لم يكن بنفس الدرجه داخل الجماعه , فقد رفضه الكثير من الأخوان و السبب انه لم يكن عضوا تنظيميا بارزا داخل جماعتهم , و كان ابرز الرافضين هو الشيخ الغزالى و الذى استشاط غضبا من اختيار الهضيبى كمرشدا عاما للجماعه و كان داخل المعتقل , فكتب من هناك عددا من الرسائل و المقالات هاجم فيها الهضيبى بشده و كشف حقيقة ان الهضيبى ماسونيا و ينتمى للتنظيم الماسونى العالمى و انه يمثل خطرا على الدعوه و على الجماعه , و هو نفس الكشف الذى ذكره العقاد و غيره من المحللين للوضع السياسى فى مصر سواء كانوا من داخل الجماعه او خارجها.
لم يكن الهضيبى وحده هو الذى ينتمى للتنظيم الماسونى , فهناك ايضا مصطفى السباعى مرشد الأخوان بسوريا و غيرهم , كما ان تنظيم الجماعه هيكليا و طريقة المبايعه كلها تحمل الفكر الماسونى و تثير الشكوك حول علاقة هذة الجماعه بالماسونيه العالميه+ و الذى يهدف الى التمكين و الأستاذيه فى السعى نحو السيطره على زمام العالم بأسره.
و منذ تولى الهضيبى كمرشدا ثانيا للأخوان , نرى عددا من المواقف توضح طريقة تعامل الجماعه الدموى فيما بينهم , فما بالك بطريقتهم مع المجتمع الذى يرونه أقل منهم و يكفرونه و يصورون لأتباعهم انه مجتمع جاهلى كافر.
أول هذه المواقف حين هاجم الرافضون للهضيبى مقر الأخوان و احتلوه و هددوا الهضيبى و حاولوا ان يرغموه على التخلى عن منصبه هذا , و حدثت اشتباكات و سقط المصابون مدرجون فى دمائهم , و لكن انصار الهضيبى استطاعوا ان يطردوا المعارضين و سيطروا على وضعهم و وضع مرشدهم و "شرعيته".
الموقف الثانى نعايش فيه غدر و دموية هذا التنظيم , حين اراد الهضيبى ان يجمل صورة الجماعه و يغسل يديها من كل الدم الذى لوثها خلال الأعوام الأخيره , فقرر "ظاهريا" ان يحل النظام الخاص , هذا التنظيم العصابى الأرهابى الذى قتل و اغتال و فجر و تسبب فى الفوضى بالشارع المصرى , لكن الحقيقه انه فى الخفاء اسند الى "سيد فايز" مهمة اعادة تشكيل النظام الخاص بأفراد و وجوه جديده لا تكون مكشوفه و محروقه , و هذا بالطبع اثار غضب عبد الرحمن السندى القائد الأول للنظام الخاص و اتباعه و كان قرارهم هو اغتيال سيد فايز , فأرسلوا له فى المولد النبوى علبة حلوى مفخخه و فتحها سيد فايز فأنفجرت بوجهه و تسببت فى موته هو و اخيه الصغير و طفله كانت تسير اسفل بلكونته فأنهارت عليها البلكونه و قت الأنفجار !!! انهم يقتلون بعضهم و يستبيحون دماء بعضهم و يتصارعون فيما بينهم على السلطه , فتصور كيف يكون تفكيرهم تجاه فكرة تداول السلطه و الديموقراطيه مع افراد من الشعب ممن لا ينتمون اليهم , و هو ما اكدته الجمله التى قالها الفريق "عبد الفتاح السيسى" فى اعقاب ثورة 30 يونيو و فى شهادته انه سمع من رئيس الجمهوريه الأخوانى محمد مرسى جملة "احنا هنحكم 500 سنه" , و لم لا ؟ فكل من يكون عقبه امامهم لا يزيد ثمنه عن ثمن الرصاصه التى تستقر بقلبه و بعدها لا عائق امام رغبتهم فى السلطه المطلقه ...
عادت الجماعه بعد حلها للعمل تحت قيادة المرشد الثانى حسن الهضيبى و الذى فضل الجماعه على القضاء , استقال من كرسى يجلس عليه ليحكم بين الناس بالعدل و يكون فيه ممثلا لأسم من اسماء الله الحسنى و خادما للشعب ليستبدله بكرسى الجماعه , فهل بعد الجماعه شيئ ؟ هكذا يتوهمون.
و ظلت الجماعه تسير و حركة الضباط الأحرار تتقدم و الشارع يغلى و القصر يمتلئ بالفساد , و احترقت القاهره فى يناير 1952 و كانت ايذانا ببدء التحرك العملى لحركة الجيش حتى ينقذ مصر مما ألت اليه من تردى و طغيان , و اصدر مجلس قيادة الثوره بيانه الأول فى الثالث و العشرين من يونيه من عام 1952 معلنا صوت الشهيد انور السادات انتهاء عصر الأستعباد و الاحتلال و الفساد ليبدأ عصر جديد من العزه و الحريه و العداله الأجتماعيه , و زيل البيان امضاء محمد نجيب و الذى سيصبح اول رئيسا لمصر بعد الثوره .
أيد الأخوان الثوره كعادتهم , فهم لا يبدأون شيئا ابدا , هم يستغلون اى موقف وطنى ليلفتوا الأنظار بحشودهم و التى ليست بالكثيره و لكنها منظمه , و بهذه الحشود يدعون انهم هم اصحاب الحدث , و كأن العمليه السياسيه و الحراك الوطنى هو فقط حشودا و هتافات , فلا قيمة للعقل و التخطيط و التضحيه و الجرأه فى اتخاذ الخطوه الأولى و الأهم , فهذه اشياء لا تتقنها الجماعه , هم فقط يتقنون الحشد و احداث الفوضى و العمل السرى من اغتيال و غدر .
و مع بداية عصر ما بعد ثورة 1952 , كانت قد انتهت دعوة الأخوان الدينيه تماما و كان توجههم سلطوى سياسى بنسبة مائه بالمائه , و لكن مجلس الثوره و ضباطه الأحرار المخلصين لقضيتهم الوحيده و هى الوطن لم يكونوا ليسمحوا لفصيل واحد بعينه أن يتصدر المشهد الثورى , فقد كانوا على قناعه ان الثورة ثورة الشعب كله من اجل حياه كريمه , و كانوا ايضا يعلمون جيدا أن تنظيم الأخوان ليسوا ثوارا بل و ليسوا احرارا , و من هنا بدأ الصدام بين الثوره و الأخوان ....
و للحديث بقيه
د.حاتم حلمى عزام

الحلقه الأولى "الساعاتى" http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1261907&SecID=190&IssueID=168
الحلقه الثانيه "حامى المصحف و الحاج محمد هتلر"
الحلقه الثالثه "و مات المرشد وحيدا"
للتواصل

الثلاثاء، 24 سبتمبر، 2013

ومات المرشد وحيدا "الحلقه الثالثه"

" أناشد أخوانى - لله و للمصلحه العامه – أن يكون كل منهم عونا على تحقيق استتباب الأمن و استقرار النظام وأن ينصرفوا الى اعمالهم و يبتعدوا عن كل عمل يتعارض مع استقرار الأمن و شمول الطمأنينه حتى يؤدوا بذلك حق الله و حق الوطن " حسن البنا - 11 يناير 1949 قبل أغتياله بشهر
"أعلن منذ اليوم أن اى حادث يقع من اى فرد سبق له اتصال بجماعة الأخوان موجها الى شخصى و لا يسعنى الا ان اقدم نفسى للقصاص و اطلب من جهات الأختصاص تجريدى من جنسيتى المصريه التى لا يستحقها الا الشرفاء الأبرياء , فهؤلاء ليسوا أخوانا و ليسوا مسلمين " حسن البنا - فبراير 1949 قبل أغتياله بساعات
فى ليلة حالكة الظلام من ليالى شتاء القاهره و فى فبراير من عام 1949 بشارع الملكه نازلى "رمسيس حاليا" , كان يقف المرشد حسن البنا و بداخله صراع رهيب , حياته تمتد امام عينيه بصوره غريبه , صور متلاحقه تسبب له التشوش و انعدام الرؤيه , ما الذى انتهيت اليه ؟ اين الدعوه .. اين الشباب المؤمن المتسامح .. هل اعمانى حلم الاماره و الخلافه و حب الزعامه عن الأسلام الحقيقى .. الشارع يسوده الظلام و البرد و الهدوء , حتى اخترق هذا الصمت دوى سبع طلقات رصاص كان نصيب حسن الساعاتى مرشد الاخوان منها سته رصاصات .. و امتلأ الشارع الهادئ بدماء أول مرشد لجماعة الأخوان ....
قرر البنا عام 1939 ان يأخذ خطوه خطيره لها من الحسابات و التقديرات ما عجز البنا عن استيعابها , تكوين "النظام الخاص" , تنظيم مسلح سرى منبثق من جماعة الأخوان و يختار افراده بعنايه فائقه من الشباب المنضمين لفرق الجواله الأخوانيه , يختار منهم من يجد فيه المرشد و مساعدوه القدره على ان يكون عبدا مطيعا للنظام , لا يناقش و لا يجادل , فدائى و متهور , لائقا من الناحيه البدنيه بحكم وجوده فى فريق الجواله , فينضم هذا الشاب الى اسره مكونه من خمس افراد و يقسم بالبيعه على الطريقه الماسونيه الشهيره , غرفه مظلمه و شخص لا يرى وجهه و المصحف و السلاح على المنضده , و يقسم بالولاء و يبايعهم بدمه على السمع و الطاعه.
تولى هذه المهمه بصوره اساسيه عبد الرحمن السندى , هذه الشخصيه الجدليه التى كانت و لا زالت مثار اختلاف و تباين فى الاراء , فهناك من يراه منافسا و ندا للبنا و كثيرا ما كان يتخذ القرارات الخاصه بالنظام السرى الخاص دون الرجوع للمرشد و هناك من رأى انه مخلصا لمرشده الساعاتى و كان يبذل الدم و الجهد لأرضاءه حتى لو كان الثمن ازهاق ارواح و تدمير منشئات.
فى هذا نرى شيئا مذهلا يرويه اعضاء هذا التنظيم انفسهم امثال احمد عادل كمال فى مذكراته , و هى طريقة جذب الشباب الى الجماعه و تهيئتهم و مسح افكارهم بطريقه مثيره للشفقه , فتقرأ فى ما كتبته ايديهم كيف يكون الشاب متوازنا من الناحيه المجتمعيه , طالبا , مثقفا , لديه من الهوايات مثل جمع الطوابع او ممارسة الرياضه و محافظ على الصلاه و يرتاد السينما و المقاهى , فيتم اجتذابه و يبدأ فى ترك كل ما احبه و تعود عليه و كل ما كان مخطط له ان يكون كعنصر فعال فى مجتمعه و اسرته و بلده ليتحول الى مسخا لا دور له الا السمع و الطاعه , فالجدول موضوع له مسبقا من صلوات و دروس و رحلات و تدريبات و ينتهى به الحال "لو كان يصلح" الى ان يصبح اداة للقتل و الحرق و التفجير و كل هذا تحت ميثاق "اعتقد و اتعهد" الخاص بالجماعه.
كانت الحجه الظاهره لبداية هذا التنظيم السرى الارهابى هى نواة الجيش العربى لتحرير فلسطين , و لكن تفجير المقاهى و الأقسام و السينيمات و القتل و الترويع كان من نصيب مصر , رغم مشاركة اعضاء هذا النظام الخاص الفعليه فى حرب فلسطين بدور اختلف ايضا عليه الرواه ما بين اظهار بطولات غير مسبوقه و بين السفر لفلسطين لنشر دعوة تنظيم الأخوان هناك و شراء الأسلحه دون مشاركه حقيقيه فى الحرب كما كتب على عشماوى احد القيادات الأخوانيه فى مذكراته "التاريخ السرى لجماعة الأخوان".
ظل حسن الساعاتى المرشد العام للجماعه مدفوعا بجنون الزعامه و منبهرا بتطور النظام الخاص و زيادة عدده و تعاظم امكانياته دون ان يضع خانه صغيره هامه ... "العواقب" , و مر النظام الخاص و مرشده البنا و قائده السندى منذ عام 1939 و حتى عام 1947 بالعديد من الاحداث و الحوادث من اعتقالات و تحالفات سياسيه و مظاهرات مؤيده و معارضه و تفجيرات و قتلى حتى جاء عام 1948 , و الذى كان عام كشف الحساب و كشف المستور لهذا النظام الخاص و للمؤسس الأمام البنا.
كان قد تم القبض على مجموعه من شباب الأخوان المنتمين للنظام الخاص بتهم متعدده منها تفجير "قنابل عيد الميلاد" بالمقاهى و الحانات و التى امتدت الى بعض الاقسام البوليسيه و "تفجيرات سينما مترو" و غيرها , و عرضت القضيه على القاضى المصرى أحمد بك الخازندار و الذى ادان أعضاء التنظيم بالقتل و الارهاب و الترويع و عوقب بعضهم بالأشغال الشاقه المؤبده.
تلقى هذه الأحكام أمامهم و مرشدهم الساعاتى بالغضب الشديد و قال "لو ربنا يريحنا من الخازندار و امثاله" , فأستقبل السندى الكلمات و اعتبرها امرا واجب النفاذ و استدعى على الفور رجلين من عصابته المسماه "النظام الخاص" و هم حسن عبد الحافظ سكرتير البنا الشخصى و محمود زينهم , و اللذان بلا اى مناقشه و "سمعا و طاعه" للأوامر و فى مارس من عام 1948 نفذا قتل الخازندار و هو فى طريقه لعمله صباحا بحلوان.
و لأنه لم يقدر عواقب هذا النظام الخاص الدموى , فقد استشاط البنا غضبا فور سماعه بنبأ هذه الجريمه , فهو لم يصدر امرا مباشرا بقتل القاضى الخازندار و قرر عقد محاكمه للسندى و مساعدوه , و بكل براءه و خنوع اقر السندى انه تلقى كلمات المرشد و كانها امر بالقتل و نفذ العمليه قاصدا ان ينال الرضا و الحظوه عند سيدنا الأمام , و بكل عاطفيه بكى البنا لسماعه هذه الكلمات و عفا عن السندى و أمره الا يتكرر هذا الفعل الا بأمر منه و "برر" ان قتل الخازندار لم يقصد به قتل روح انسان بل قتل روح التبلد لدى النظام الحاكم , فهى ليست نفس بنفس !
اى مرشد و اى امام هذا و اى دعوة تلك التى يدعون اليها , بل و اى مبرر الذى يبرر به قتل نفس عمدا و ترصدا , و هو نفس المنطق الذى انتهجته الجماعه منذ هذه اللحظه و حملته كسندا و حجه لنشر الفوضى و الدم بمصر طيلة ما يزيد عن الستين عاما حتى وقتنا هذا.
شاءت الأقدار ان ينكشف المستور عن هذا النظام الخاص و بالصدفه فى قضية "السياره الجيب الشهيره" فى نوفمبر من العام نفسه و التى عثر بها على مخطوطات و اوراق ادانت تنظيم جماعة الأخوان و كشفته كتنظيم ارهابى و على اثر هذا , اصدر النقراشى باشا رئيس الوزراء و وزير الداخليه قرارا بحل جماعة الأخوان المسلمين و مصادرة ممتلكاتها و اعتقال كل من يثبت انتسابه اليها.
و كان رد الجماعه هو اغتيال النقراشى , و اعقبوا قتله بمحاولة تفجير مبنى المحاكم الذى اودعت به اوراق القضيه لطمس الحقائق , و صار البنا وحيدا معزولا محاصرا , اين الجماعه ؟ اين الدعوه ؟ اين حلم الزعامه و الخلافه ؟ لقد اصبح الأمام و المرشد و المؤسس عدوا و هدفا للدوله التى تسبب هو فى انتشار الفوضى بها و قتل رموزها غدرا و صار ايضا هدفا للسعديين الذين كانوا يريدون الانتقام لمقتل النقراشى الذى كان واحدا منهم , بل و هدفا لأعضاء جماعته و نظامه الخاص بعدما تبرأ منهم و من افعالهم و ناشدهم بالعوده لروح الدعوه الرشيده و وصفهم بأنهم ليسوا اخوانا بل و ليسوا مسلمين اصلا.
ظل حسن البنا الساعاتى ينزف من جراء الست طلقات اللاتى اطلقن عليه من مجهول , و بمستشفى القصر العينى لم يكن بجانبه احد الا والده الشيخ المسن , مأذون المحموديه صاحب محل الساعاتى , و المصرى القبطى مكرم عبيد , فقط , بعد عشرون عاما من التجنيد و السريه و البناء , بعد المريدين و الهاتفين و المبايعين , توقفت عقارب حياة الساعاتى , و رحل وحيدا محاصرا , قد يكون نادما او مذهولا او فاقدا لزمام امره , لكن حسابه عند ربه حيث لا يظلم احد , مات حسن البنا تاركا ورائه جماعه وجدت نفسها محظوره و منبوذه و هاربه , فقرروا ان يعودوا من جديد و لكن بعد ان يرتبوا اوراقهم ليبدأوا عهدا جديدا عنوانه الانتقام و الارهاب ....
و للحديث بقيه

د.حاتم حلمى عزام

الجمعة، 20 سبتمبر، 2013

حامى المصحف و الحاج محمد هتلر "الحلقه الثانيه"

الجيش و الشعب ايد واحده
من قلب ميدان التحرير الف تحيه للمشير
يا مشير يا مشير من النهارده انت الأمير
يسقط يسقط حكم العسكر
هكذا انشقت حناجر الاخوان بالهتاف من ميدان التحرير تارة تنادى و تستنجد بالجيش او كما اسموه بعد ذلك "العسكر" و تارة مؤيده للمشير طنطاوى , الحاكم العسكرى لمصر قبل اجراء الانتخابات الرئاسيه المزعومه فى عام 2012 , و اخيرا مناهضه للجيش و رافضه لأى تدخل منه بعد انتفاضة الشعب عليهم فى مشهد ثورة 30 يونيو العظيم
قبل هذه الاحداث باربع و ثمانين عاما , كان المرشد الأمام حسن البنا الساعاتى ينتقل الى محافظة الأسماعيليه ليعمل مدرسا بمدرسة الاسماعيليه الابتدائيه و فكرة الخلافه تملأ عقله و تلهبه حماسا و تقض عليه مضجعه , و لكنه لم يكن مندفعا متهورا بقدر ما كان كيسا و واقعيا , فقرر فى عام 1927 و كان عمره انذاك 21 عاما ان يلبس عباءة الدين و ينشئ بنفسه سلما قويا , قد يكون طويلا و لكن يصل فى نهايته الى اقصى غاياته , التمكين التام.
اختار البنا لنفسه ثلاث مقاهى شهيره و بدأ يزورها مرتين اسبوعيا , يقف واثقا مالكا لزمام كلمته بل و مدعيا احيانا كثيره الثبات و القوه , يلقى بكلماته الساحره البراقه حول الدين و الدوله و الخلافه و يدعو الى اتباع شرع الله الذى اضاعه الناس بين كل مظاهر الليبراليه الفاجره "حسب رؤيته" , يتحدث و يسهب و يأسر عقول مستمعيه , حتى جاءت اللحظه المناسبه.
فى عام 1928 , اجتمع مع سته من عمال المعسكرات فى منزله يهنئونه بعيد الفطر , و فى هذا اليوم قرر البنا انهاء فترته التجريبيه فى العمل الدعوى و الدخول الى عالم الجهاد الحقيقى , و اتفق مع هؤلاء السته على ان يبدأوا فى زرع نواة جماعته "السنا مسلمين ؟ فلنسميها الاخوان المسلمين".
و منذ اللحظه و انطلق قطار جماعة الاخوان و التى كان البنا مخططا لها قبل ان يعلنها , فكان على قطار الاخوان ان يتوقف فى ثلاث محطات ليغير اساليبه و يبدأ الرحله من جديد , التكوين , التنفيذ , الانتصار
و كانت فترة التكوين هى العشر سنوات الاولى من عمر جماعة الاخوان , و بدأت الجماعه فى الانتشار كالوباء , فالخطاب الدينى المفخخ غالبا ما يجد المريدين من كارهى المجتمع و اصحاب العقد النفسيه الذين يرجعون اى خلل على انه خلل فى الدين دون ان ينظروا داخل انفسهم اولا , و هذه الفئه هى التى تراها بعد ذلك بالمجتمع و تستعجب امرها , فتجده مصليا و غضا لبصره و قارئا للقرأن لكنه فى سلوكه منفرا , عصبيا و سيئ المعامله و احيانا يستحل لنفسه ما قد يحرمه الدين اصلا و لكنه يجد دائما ما يبرر به افعاله , ذلك انهم لم يصلحوا انفسم من الداخل , فقط ارتدوا عباءة الدين لتستر عورات اخلاقهم , و لكن الدين الحق الحنيف المتسامح برئ من هؤلاء المنفرين , اضف الى ذلك فكرة الخلافه التى سقطت و الصقها البنا فى خطاباته و كانت نقطة ضعف عند جموع المسلمين فى مصر و خارجها , فهم و كما ذكرنا يشتاقون للخليفه الأمر الناهى الذى يستندون اليه و هم مضطرون و يشعرون بالفراغ حين يفقدوه , ينادون بالحريه و هم ابعد ما يكونون عن فهمها , بل يخافون منها , فكان البنا و دعوته كفيلا بتوفير العباءه و سد الفراغ.
بدأ البنا تمويل الجماعه و تجيهزها اقتصاديا و بدنيا و نفسيا , فكان يحصل التبرعات من الاعضاء , و التى سيستعملها هو و من سيأتون من بعده كغطاء لمصادر التمويل الحقيقيه , فعندما اراد بناء مسجدا قام بتحصيل التبرعات المعتاده من "الأخوه" و لكنه ايضا حصل على مبلغ خمسمائة جنيه من شركة قناة السويس الفرنسيه البريطانيه , و كان هذا المبلغ انذاك بمثابة ثروه حقيقيه , تذكرت هنا جزء من رواية القاهره 30 للعالمى نجيب محفوظ حينما اعطوا بطل الروايه محجوب عبد الدايم مبلغ 20 جنيه و قالوا له هذا المبلغ لشراء "بدل و قمصان و كرافتات و شرابات و كافة لوازم الفرح !" , فما بالك بال 500 جنيه , و الحق يقال ان بعض من اعضاء الجماعه كان ضميرهم الوطنى و الدينى لازال حيا و يتسائل , فتعجبوا و صارحوا الامام الملهم " كيف نقبل تبرعات من اجانب , هل اموالهم حلال ؟ " , فما كان من الامام الساعاتى الا ان بدأ فى وضع منهج جديد سيستخدمه هو نفسه و من يتبعه من المرشدين بعد ذلك فى عمليات القتل و التفجير و الفوضى دون ادنى احساس بالذنب او مراعاة للدين و الوطن , مبدأ التبرير "هذه اموالهم حقا و لكن الواقع انها اموالنا نحن المصريون , اليست على ارضنا , هم المغتصبون , فأى تبرع هو من صميم حقنا " هكذا سحرهم البنا , فأومأوا جميعا بالسمع و الطاعه , و لكن الحقيقه ان البنا لم يستطيع ان يرفض مبلغ بهذه القيمه , صحيح انه لن يستفيد به لنفسه فى شيئ , فهو لبناء بيت من بيوت الله , لكن كان كافيا له ان يقال "البنا , مرشد جماعة الأخوان هو من بنى هذا المسجد"
حققت الأسماعيليه اهدافها بنجاح منقطع النظير لم يتوقعه البنا نفسه , و بدأت الدعوه تنتشر خارج الاسماعيليه للمحافظات القريبه منها حتى جاء عام 1932 , شعر البنا ان الرحله الاولى شارفت على الأنتهاء و المحطه اصبحت قريبه و انه تأخر على خطوه هامه و فارقه , القاهره.
من الأسماعيليه الى الحلميه , و كان صيته و صيت جماعته قد سبقه , فلم يصدق اهل القاهره انهم يروه اخيرا , و هناك بدأ النشاط الحقيقى , خلعت الجماعه عباءة الدعوه الزائفه و انخرطت فى العمل السياسى البحت بلا اى تخفى , و عقد البنا بالقاهره المؤتمر الثانى للأخوان عام 1934, فقد كان قد عقد المؤتمر التجريبى الأول بالأسماعيليه عام 1931و الذى اعلن فيه عن تكوين هيئة "مكتب الارشاد" لأول مره.
ايد الوفد فتره ليست بالطويله و التقى بهم و بقادته , ثم عاد و دأب على الهجوم عليه فقد كان الملك فؤاد محبا للوفد و كارها للأخوان , حاول البنا تطبيق نظرية المصالح المشتركه مع الطاغوت و التى رفضها فؤاد و ارتضاها فاروق و رفضها ناصر و ارتضاها بعد ذلك السادات و مبارك , فيأس البنا من الملك فؤاد و كان عدوا له و للوفديين معه.
و فى عام 1936 , اعتلى الملك فاروق عرش مصر , و بدأ الأخوان محاوله جديده من التملق و المداهنه للنظام الحاكم , استقبل الأخوان الملك فاروق فى الشوارع و على محطات القطارات بالهتافات المؤيده , المبايعه "الله مع الملك" "فاروق حامى المصحف" " نبايعك يا امير المؤمنين " فى موقف مثير للشفقه و السخريه حين نذكر ان بعدها بخمس و سبعين سنه , يستعيدون الماضى بميدان التحرير و هم يهتفون للمشير طنطاوى " من النهارده انت الأمير " و الف تحيه للمشير من قلب ميدان التحرير.
و لم يتوقف تملق جماعة الاخوان المبكر للأنظمه الحاكمه مهما بلغ فسادها عند حدود مصر , بل بدأ الاتصال بالدول الخارجيه فى وقت مبكر جدا , فالبنا الامام لم يكن لتفوته اى تفصيله صغيره حتى لا يأتى المستقبل و يندم انه لم يفعلها , فكان الاتصال بالالمان مع بشائر الصدام الذى ادى الى نشوب الحرب العالميه الثانيه فى 1939 , راسل النازيين الفاشيين و تلقى منهم اموالا و تبرعات مثبته بوثيقه او بفضيحه لازالت موجوده بالمتحف البريطانى , و ذهب البنا لما هو ابعد من هذا فكتب في مجلة “النذير” الاخوانية “أن المانيا تتجه نحو الإسلام وأن علينا أن نبلغها بحقائق الإسلام وأن هتلر يريد أن يتجه الى الإسلام وأنها (ألمانيا) بدأت تدرس اللغة العربية في مدارسهم!”. و اقنع البسطاء من الاعضاء انه يحارب بهذا الانجليز المغتصبين لمصر و الذين يكرههم ايضا الملك فاروق امير المؤمنين و حامى المصحف , فأنطلقت حناجر الأخوان على المنابر و فى الساحات تدعو و تبتهل بالصحه و دوام النصر للحاج "محمد هتلر" فقد صدق البعض شائعة ان هتلر قد اشهر اسلامه و اصبح اسمه محمد هتلر , كذبوا و البسوا الكذبه عباءة الدين , فصدقها المحبين و المريدين.
لم ينس البنا التابعين و نفسياتهم و عمل على ارضائهم , فرق لتحفيظ القرأن , فريق الأخوات , رحلات دينيه و ثقافيه , و غيرها من التفاصيل التى لا تهمنا لأنها لم تهم البنا و مكتب الأرشاد الأول بشيئ الا لسببين , اشباع رغبة الأعضاء المنساقين وراء حلم الخلافه و المنعزلين عن المجتمع خشية ان تصيبهم لعنة الليبراليه الماجنه و الثانى فرق الجواله , و التى كانت بمثابة التحضير للرحله الثانيه , رحلة التنفيذ , و احده من اخطر مراحل تاريخ مصر الدموى , فقد كانت فرق الجواله هى النواه لبداية تكوين تنظيم الأخوان السرى الذى حمل على عاتقه القتل و التفجير و الارهاب للمصريين , حتى لأعضاء الجماعه نفسها احيانا , أو كما عرف ب"النظام الخاص" .......
و للحديث بقيه .....
د.حاتم حلمى عزام

رابط الحلقه الأولى "الساعاتى" http://hatemazzam.blogspot.com/2013/09/blog-post_17.html

الثلاثاء، 17 سبتمبر، 2013

الساعاتى .. الحلقه الأولى

لم يكن يعلم ان هذا سيكون مصيره , لم يدرى ان فكرته الدعويه الروحانيه قد تتحول يوما الى ارهابا و اجراما و دما يملأ الطرقات و يدنس تراب الوطن الطاهر , كان ذكيا و فطنا , الأول على دفعته بدار العلوم حيث تخرج , لبقا , ساحر فى حديثه , كل من قابله اتفق او اختلف معه اقر و سلم بأنك لابد ان تحبه حين تتحدث اليه , كان حسن البنا او المرشد كما كان يحب ان ينادى هو بذرة تنظيم الاخوان , اختلفت الرؤى حوله و تباينت الأراء , فمنهم من يراه اماما مسلما اهتم بالدعوه و نشر تعاليم الاسلام التى كانت حسب وجهة نظره قد بدات تتلاشى من المجتمع فى ظل الليبراليه الهادره التى اجتاحت المجتمع فى فترة العشرينيات , و منهم من يراه عقليه قياديه فريده , لم يكن الدين و الدعوه هدفه الوحيد و ان كانت من ضمن اجندته السياسيه و لكن هدفه الاسمى و الذى دأب على تحقيقه بالتخطيط و السعى المضنى هو الوصول للسلطه , و معه بدأت فكرة التمكين , و الأستاذيه .
كان البنا ابنا لأحمد عبد الرحمن البنا و شهرته الساعاتى , والده كان مأذونا و امام مسجد بالمحموديه , و ورث مهنة الساعاتى من اسلافه و اورثها بدوره لأبنه حسن البنا , فكان البنا و هو طفلا و شابا يعمل بمهنة الساعاتى قبل ان ينهى دراسته و يمتهن التدريس , و لعل هذه المهنه جعلته يراقب عقارب الزمن و هو يمر , و ما بين افكار التجديد و التنوير فى هذا العصر , قرر البنا ان يجعل لساعته عقارب خاصه , هى مجازا يطلق عليها عقارب , و لكن بعد سنين من ذلك الوقت , سيصبح المجاز واقعا , و يتحول الأخوان الى عقارب تلدغ امن الوطن و تسمم نسماته العطره بأفكار و مؤامرات لم يشهدها الشارع المصرى من قبل.
و عندما كان فى عامه الثالث عشر انطلقت بمصر موجه شعبيه عارمه , لم يكن البنا يدرك مطالبها لصغر سنه و لكنه و لحداثة رغبته فى الزعامه , قرر ان يكون مشاركا لهذه الجموع التى خرجت فى شوارع مصر تعترض على نفى الزعيم سعد زغلول مرددين كلماته "الأستقلال التام او الموت الزؤام" , رددها البنا ذلك الصبى و هو يكاد يفقه ما يردده بصعوبه و لكنه منتشيا بمشاركته و بالروح الثوريه التى اتقدت بداخله و لم تنطفئ الا بأنطفاء نور حياته بعد سنوات من هذه اللحظه.
و لعل من يرى الطفل او الشاب الصغير حسن البنا فى اثناء دراسته بمدرسة الرشاد الاعداديه يتعجب من هذا السلوك و هذا المنحى المختلف عن اقرانه , "جمعية الأخلاق الأدبيه" "جمعية منع المحرمات" , كل هذه و غيرها كان اسماء لجمعيات انشأها حسن البنا , الصبى الصغير بالأعداديه !
حتى حين التحق بمدرسة المعلمين , لم تتوقف جمعياته عن التكوين واحده تلو الاخرى و اهمها كانت "الجمعيه الحصافيه" فقد كان البنا فى هذا الوقت معجبا بالفكر الصوفى الحصفى.
وحدث بعد ذلك حدثا جللا , اثر فى كافة ارجاء البلاد الأسلاميه , فى عام 1924 و كان حسن البنا فى سن الثامنة عشر , انقلب الجيش التركى على السلطان عبد المجيد الثانى , ليصبح اخر خليفه عثمانى , الغى اتاتورك الخلافه العثمانيه , فالخلافه فقدت شرعيتها العالميه حين فقدت تبعية باقى الدول الاسلاميه لها بل و حاربوا بعضهم البعض تحت امرة المحتلين , و استنزفت الخلافه العثمانيه كل موارد الممالك التابعه لها و اصبحت عائقا امام اى نمو او ازدهار , هكذا قال اتاتورك فى روايته لأسباب الغاء الخلافه العثمانيه.
و كالعاده , حدث مثل هذا يؤثر على طائفتين من الناس و كل له منظوره , الطائفه الأولى هى طائفة عامة الشعب او الشعوب , الذين مهما بلغت رغبتهم فى التحرر , و مهما بلغ نقدهم و بغضهم للأنظمه الحاكمه , سرعان ما ينتابهم الشعور بالفراغ حين يفقدوا هذا الكيان الذى كانوا بالأمس يستندون اليه و هم ناقمون و ساخطون , و الطائفه الثانيه , اصحاب المطامع و الساعون وراء المناصب التى بها يحكمون و يملكون و يأمرون فيطاعون , و كان سقوط الدوله العثمانيه مطمعا لهم , فحاول الكثيرون ان يفرضوا انفسهم كورثه لمنصب الخليفه , الملك فؤاد , ملك السعوديه , و حسن البنا !!!
"وضعت الخلافه لوراثة النبوه" هكذا ادعى البنا و صدقه مريديه , فأشعلت فكرة الخلافه لديه نارا فوق نار حماسه و زادته يقظه و همه , فماذا غير الخلافه يحقق له حلم التمكين و يطفئ نار الزعامه و القياده داخل صدره , و منصب الخليفه الأن خاوى , فلماذا لا يكون هو ؟!
و من المحموديه الى الاسماعيليه , انتقل حسن البنا الساعاتى ليعمل مدرسا هناك , و الواقع انه ليبدأ رحلة البناء , بناء هذا التنظيم الذى ما ان وجد و استقر بمصر حتى سالت دماء المصريين و انتهك امنهم و عكر صفو حياتهم
و للحديث بقيه .....

د.حاتم حلمى عزام

الأحد، 15 سبتمبر، 2013

المواطن الشوفان


جلست اتحدث الى احد اصدقائى "الاخوانجيه" , كم تضايقه هذه الكلمه , "اخوانجى" و كأنها سُبه , لذا لا اتعمد ذكرها الا عشر مرات على الأكثر اثناء حوارى معه ... 

جلست اتحدث معه فى احوال البلاد و العباد , و كالعاده , يبدأ الحوار و البسمه تعتلى وجوهنا و الود يملأ ثنايا كلماتنا , و كأنها مرحلة تنظيف السلاح و التأكد من جودته و سلامته قبل استخدامه , ثم يبدأ كل منا فى الاحتماء وراء اكياس الرمل كالجندى فى ساحة القتال "الدين,المدنيه,الشرعيه,الثوره ..." , و تختفى البسمه و يفر الود هاربا , و تبدأ المعركه , معركه خاسره , تكررت اكثر من مائة مره بينى و بين صديقى الأخوانجى , و كل مره بلا فائده , و لا نعود منها الا بكم هائل من الاصابات السطحيه و العميقه , اصابات نفسيه , تجعل منا منهكين و مشوشين , و رغم ذلك لا نمل , و نعد الساعات و الأيام حتى نلتقى و يتكرر نفس السيناريو بكل تفاصيله. 

و منذ ايام , تذكرت قصة المحارب الفرنسى "نيكولا شوفان" , هذا المحارب الذى ظل يحارب فى جيش نابليون سنين طويله , و اصيب اصابات بالغه اكثر من سبعة عشر مره , و لكن هذا لم يثنيه عن ان يظل يحارب و يقاتل من اجل مجد فرنسا , بل الاوقع , من اجل مجد نابليون , ورغم اصراره و بسالته , اصبح مثار سخرية من كثرة ما اصابه من تشوهات و اصابات مؤثره , بل و صار اسمه يطلق على اى تطرف اعمى لا يأخذ بالعقل , اى تطرف لا يسمع الا لنفسه فقط , تطرف قائم على حب الوطن او الحزب او الجماعه و كره و معاداة اى طرف اخر , و من هنا ظهرت الكلمه "الشيفونيه" 

شعرت اننى , انا و صديقى , اصبحنا مثل هذا المحارب , اصبحنا مواطنيين شيفونيين , نصاب و نهان و نجرح و نخسر , ثم نصر ان نعود من جديد , و لكن....... 

تخيل ان نيكولا شوفان , الذى اصبح مثار سخريه , و سميت بأسمه و احده من النظريات المتعصبه المكروهه , هذا المحارب كان يحارب اعداء وطنه , قد لا يكونوا اعداء بالدرجه التى تصورها هو , و لكنهم , و هو الاهم , ليسوا من ابناء وطنه , و لكن مصيبتنا , اننا , انا و صديقى و مثلنا الملايين فى مصر , ابناء وطن واحد , هى حقا كارثه. 

لو ان اسرائيل , هذا الكيان "البعبع" الذى نتشدق به كعدو للقوميه العربيه منذ عقود طويله , رأت ما نفعله ببعضنا , تٌرى , هل تحتاج ان تحاربنا ؟ هل تتكبد عناء الحرب و العتاد و الارواح من اجل امة يتقاتلون فيما بينهم ليلاً و نهارا ؟ امه شيفونيه كأسوأ ما يكون المعنى. 

قد اكون انا المحق , و قد يكون هو المحق , و لكننا فى كل حوارتنا لم نفكر فى الحل ابدا , بل نتجادل و نتقاتل و نتعمد تصيد الاخطاء و الاهانه و التشفى و التوعد و التهديد و استعراض القوى و استدعاء الماضى و كل هذه التفاهات , التى لا تصل بنا الا الى الخساره , و خساره مزدوجه. 

نعم انا هنا اتحدث عن المصالحه الوطنيه , مصالحه لها ضوابط و معايير , مصالحه و وحده وطنيه حقيقيه , بين شباب الاخوان و شباب الحزب الوطنى و شباب التيار الشعبى و شباب الفلول و شباب الليبراليين و شباب الكنبه , هؤلاء الشباب الذين خٌدعوا بأسم الدين , انساقوا وراء شعارات واهيه , شباب رغبوا ان يكون لهم وجود و دور يوما ما , شباب لديهم جميعا ارض مشتركه , و لكن اعداء الوطن و الخونه يأبوا ان يجد الشباب هذه الارض المشتركه , انها ارض الوطن , عقيدة الوطن التى تجمعنا كلنا على حب هذة الارض و الانتماء لها . 

لا اتحدث عن مصالحه بين رموز سياسيه و جلسات حوار وطنى مفتعله و سياسيين و متأسلمين تاجروا بالمبادئ و الدماء و الدين و الوطن و الارواح . 

لو طالب شباب الاخوان بتنحى كل هذه الرموز التى تبث سمومها ليلا و نهارا فيهم , و طالب شباب الفلول رموز الانظمه السابقه بأن يتركوا الميدان , و طالب شباب الثوره الشرفاء كل ادعياء القيادة و الزعامه بأن ينزلوا من فوق اعناقهم , و توحد هؤلاء الشباب تحت راية الوطن , فسيعود الامل , و تشرق شمس هذا الوطن من جديد. 

نحن نحتاج ان نتوقف قليلا , ان نصمت , اكثر من احتياجنا لأن نستمع لبعضنا البعض , نحتاج ان ننقذ الاجيال القادمه , لا نجعلهم يشربون السموم و يستمعون الى الخرافات , قد يكون الامل فيهم ... 

نحتاج ان نتولى زمام امورنا لا ننتظر ان يوليها لنا احد , زمام ديننا , وطننا , عملنا , بيوتنا , كفانا عبثا و خطبا و وجوها كاذبه .. 

انه حلم و لكنه ليس محال , فالوطن باق رغم انف الجميع , و انا على يقين انه سيشهد هذا الحلم و قد اصبح واقعا , ليس علينا الا الصبر و الدعاء. 


د.حاتم حلمى عزام

تأكد انهم خائفون .. و ليسوا صامدون



هل تسمح لى بدقائق من وقتك .. سأروى لك حكايه من التاريخ .. قد تكون غير مهتم بالتاريخ او غير مهتم بالقراءه .. لكن هى حكايه مشهوره .. و يعتمد ابطالها على انك لن تهتم .. بدأت القصه منذ قرون بعيده .. حين قرر احد الفرسان ايام الحرب الصليبيه ان يقوم بتكوين مجموعه من الفرسان تكون مهمتهم حماية المسافرين من و الى القدس .. و اتخذوا جوار المسجد الاقصى مقرا لهم .. و كانت و لازالت اطروحة ان اسفل المسجد الاقصى يقبع هيكل سليمان .. ما هو الهيكل و ما قصته .. ليس هذا مربط الفرس .. انما اذكرها لأنه و بموقعهم هذا اطلقوا على انفسهم مجازا .. فرسان المعبد .. او كما عرفوا فيما بعد بالبنائون الاحرار .. او الاسم الذى نسمعه بلا اى اهتمام و لا نتكبد عناء فهمه .. الماسونين .. وضع الفرسان لأنفسهم مبادئ خاصه .. اهمها الوصول لأعلى درجات العلم و اللياقه و اللباقه بغرض التمكين .. و كانت اهم اسلحتهم .. الدين .. فأستقروا بالمعابد و الكنائس و دور العباده .. فقد ايقنوا ان لرجل الدين بريقا و جاذبيه للشعوب .. تجعله خارج مرمى النقد او المراقبه .. محل تعاطف و ثقة الناس .. و من هنا بدأوا فى تلقى التبرعات و ادارة الاعمال التجاريه و زاد النفوذ .. اصبحوا يمثلون خطرا محدقا على كيان اى امبراطوريه او دوله .. و منذ هذا الوقت .. بدأت الحرب ضدهم .. و بدأوا البحث و التنقيب ورائهم .. ليجد الباحثون المفاجأه تلو الاخرى .. من فضائح جنسيه و اخلاقيه .. نهب و سلب و تلقى اموال تبرعات لنفقات وهميه .. حتى وصلت التهم الموجهه اليهم الى ممارسه اخطر انواع السحر الاسود و الذى اطلق عليه سحر الكابالا ..
حتى لا اطيل فى تفاصيل تأخذك لمرحلة الملل .. فالقادم هو الاهم .. هرب الفرسان البنائون الى اوروبا .. فرنسا و قبرص و انجلترا .. ثم كان لهم نفس المصير .. الى ان استقر بهم الحال فى اسكتلندا .. و ظلوا هناك يراجعون ما حدث .. يدرسون و يخططون .. حتى توصلوا الى ان الحرب بالاسلحه و المواجهات المباشره لن تجدى .. و ان اى تجمع فى صورة منظمه او جماعه او ما شابه ذلك تحت مسماهم ستفشل و تلاحق .. فخرجوا بفكر جديد .. ما يطلق عليه مجازا .. المحافل الماسونيه
جمعيه خيريه .. جماعه دينيه .. حزب سياسى .. حركه فكريه .. ائتلاف شبابى .. تنتشر هذه المحافل فى العالم .. يتصدرها قامات عظيمه فى السياسه و الطب و الاقتصاد .. بل و الدين .. تتجمع الناس حولهم .. يضعوا فيهم الثقه .. فى تكوين هرمى منظم .. لا يرى من هو اسفل الهرم قمته .. فالقمه هم الاساتذه .. كبار الماسونيين .. الذين يحفظون الطقوس و يمارسونها .. يتوارثون المخطط و القواعد جيلا بعد جيل .. و القاع .. شخصيات بارزه و ينقاد خلفهم ابناء من شعوب و الوان و جنسيات و اديان مختلفه .. يؤدون الخدمه فى الهيكل الماسونى دون ان يعلموا .. فقط .. يؤمرون .. فيسمعون .. و يطيعون .. لا ننهاك عن دينك .. بل تعمق فيه اكثر .. لا ننهاك عن عملك بل نساعدك فيه .. لا ننهاك عن تجارتك او حتى نشاركك فيها .. بل نأخذ بيدك لما هو اعلى .. فكل هذه الادوات و المصادر .. من دين و اعمال و اموال .. ستكون اسلحتنا فى معركتنا الاخيره ..
اشعر بك و قد تسرب شعور مختلط لديك .. هذا خيال .. هراء .. انها نظريه المؤامرة .. و شعورا اخر بالملل .. ما فائدة الحكايه .. و لكن الخطوه الاهم .. هو ان تعيد سريعا قراءة ما اسلفنا ذكره .. الحكايه .. و تتسائل .. هل مر عليك او سمعت عن تنظيم ما له نفس المواصفات و التاريخ .. لا اشير هنا و بصراحه الى تنظيم الاخوان المسلمين فقط .. بل ان الفكره تصل لكثير من المنظمات و الهيئات و الحركات سواءا السياسيه او الحقوقيه او الدينيه . حتى و ان ايقنت ان الكلام واقعى و تراه ينفذ بعينك .. يبقى السؤال و اعدك انه الاخير .. حتى لو .. ما الخطر .. لماذا الفزع و تهويل الامر لما هو ابعد من المعقول و المقبول الاجابه هى بسيطه .. اذا كان للدين هيكله و شعائره و طقوسه و اماكن ممارسته و للدوله كيانها و استقلالها و مؤسساتها .. فما الحاجه الى هيكل جديد منفصل .. له من الطقوس و المعتقدات و الاذرع الكثير و المتشعب .. هل هو دين جديد .. دوله جديده .. شعوب جديده .. هويات جديده قد تستعجب و تنتابك نوبة من السخريه من ادعاء ان تنظيم الاخوان او غيره هو تنظيم ماسونى .. هذا ضرب من الجنون .. و لكن فلتتفكر .. مصر هويتها اسلاميه منذ قرون .. فما الهدف من ان دعوتهم ان تكون هوية مصر اسلاميه ! .. الازهر كان و لازال و سيظل منبر الدعوه و الدعاه .. فلماذا جماعه دعويه اخرى لا تستظل بظله بل و تهاجمه .. ان تنظيم الاخوان المسلمين يدعو لأفكار متأصله فى الشعب منذ قديم الازل .. فما الجديد !! الجديد هو ما لا تراه انت و لا تعلمه .. الجديد هو قديم عندهم فى مخططاتهم و معتقداتهم .. مشروعهم لا يعنى بالتكفير الا لأرضاء طائفه من المتشددين حتى يكونوا تحت رايتهم فى الهيكل الاعظم لا يهتم بالدعوه الا لجذب فئة من التائهين المتوهمين فيهم غاية النقاء الروحانى .. لا يهتم بل و رافض للديموقراطيه .. ليس لأنها حرام .. بل لأنها ستدخل اراء من هم خارج تنظيمهم الى داخل الهيكل و التنظيم .. هم لا غاية لهم الا الدور الذى رسمه لهم البنا و قطب منذ سنوات مضت .. التمكين و اخيرا ..
يبقى ان نعلم .. ان التنظيمات الماسونيه لديها مبدأ لا تحيد عنه .. لا معنى للفشل .. اما التمكين او الاختفاء تماما و محو هذا التنظيم .. فهو يضر بالبناء الهرمى .. فحجر واحد ضعيف من شأنه ان يدمر الهرم كله .. و هذه هى حربنا .. فهم يعلمون انه لا معنى للمصالحه و التوافق و الشورى .. يعلمون انهم اما ينجحون بالتمكين التام .. او يفشلون .. و بها ينتهون و للأبد .. فلنعلم انها حرب صعبه و طويله .. و لنكن تحت رايه الدين و الوطن يدا واحده .. و لنواجه تكفيرهم و تشددهم المزعومين بوسطيتنا و ارهابهم بجيشنا و منظومتنا الامنيه .. و الاهم .. ماسونيتهم بوطنيتنا و قوميتنا 
تأكد انهم خائفون .. و ليسوا صامدون

د.حاتم حلمى عزام