الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

يوليو .. ثورة شعب مصر ام شعب الأخوان "الحلقه الخامسه"

"سنقضي على الإرهاب وسنقضي على الغدر وسنقضي على هذه الوسائل البغيضة التي لا تسمح بوجود الديمقراطية وعند هذا يا إخواني سنقيم في هذا الوطن كما وعدناكم ديمقراطية حقيقية ديمقراطية سليمة أنا لا أفهم مطلقا أن تقوم في هذا الوطن ديمقراطية وفيها إرهاب وفيها تنظيمات سرية وفيها رصاص يوجه إلى المواطنين باسم الدين وباسم الإسلام باسم الخداع وباسم التضليل" خطاب جمال عبد الناصر , 29 أكتوبر 1954
ألم يان لمصر ان تستفيق من هذا الكابوس الذى جثم على صدرها و اطبق على انفاسها سنينا طويله , هذا الكابوس المخيف المسمى الأخوان , لقد كانت مصر قبل 1928 شيئا و بعد هذا التاريخ و بعد تكوين جماعة الأخوان تحول مسار مصر الى شيئ اخر , البعض يتهم القصر و الملك بالفساد و العربده و الأهمال فى شئون البلاد و العباد , محقون و مخطئون , أخرون يتهمون عبد الناصر بالديكتاتوريه و العتو و الطغيان , محقون و مخطئون , يتهمون السادات بالأنفتاح الغير محسوب و السبب فى اعادة انتاج الراديكاليه و الرجعيه الدينيه الزائفه , محقون و مخطئون , يرمون مبارك بالفساد و تردى حال الشعب بلا اى اهتمام , كل ما يقال على هؤلاء القاده و الزعماء يحمل جانب من الصحه و جوانب من التجنى الناجم عن عدم الادراك للصوره الكامله , و لكن الأهم من كل هذه الأتهامات هو ادراك حقيقة ان هناك تنظيم سفلى دموى غزا مصر منذ 1928 , من وقتها و تبدل حال مصر , مصر التى كانت مهدا لكل الحركات الدينيه و الاصلاحيه و الفكريه , مصر التى كانت تصدر الفن و الثقافه و السياسه و الرقى للعالم كله , بعد هذا الغزو الارهابى متمثلا فى جماعة الأخوان اصبحت المستورده الأولى لكل الافكار المتهالكه و الرجعيه و ارضا خصبه للتقاتل و التناحر و الدم و الغدر.
لقد احدثت حركة تنظيم الأخوان فى مصر صحوة حقا , لقد كان الشعب المصرى مغمضا لعينيه , و فاتحا قلبه و عقله لكلمات محمد عبده و عبد الله النديم , منشدا بهتافات عرابى و سعد زغلول , يدندن بأغانى ام كلثوم مستحضرا شاطئ النيل و انغام الجندول تهيم على صفحته , فكانت رصاصات الغدر و الارهاب التى اطلقتها جماعة الأخوان كفيله بأن تحدث صحوه من حلم الوطن الجميل لواقع من المؤامرات و التضليل و الخيانه.
لقد اعتمد تنظيم الأخوان منذ ان اعلن عن نفسه على ركيزتين اساسيتين و لازال , الأولى هى مجموعه من الشباب و الرجال , الناقمين و المنبوذين مجتمعيا , يبحثون عن عالم وهمى افتراضى يجعل منهم ساده و اصحاب قضيه , يجدوا ضالتهم فى من يضللوهم بعباءة الدراويش فيكفرون اهلهم و يقتلون غدرا بكل جبن و خسه اثباتا للرجوله المنتقصه و اشعارا بالجهاد الزائف , و الثانيه هى الأستقواء بأعداء الوطن من الخارج و الذىن ادركوا منذ مئات السنين موقع مصر عربيا و افريقيا و اسلاميا , فمصر هى قلب الأمه النابض و لو اردت بهم السوء فعليك بمصرهم , فكان تحالف الشيطان بين تنظيم الأخوان و الدول الكارهه لأسم مصر.
بعد نجاح حركة الضباط الاحرار فى السيطره على زمام الامور فى مصر , عينت الثورة اللواء محمد نجيب كأول رئيسا لجمهورية مصر العربيه , و كان نجيب رجلا طيب القلب و قائدا محبوبا داخل صفوف الجيش منذ ان تولى رئاسة نادى الضباط فكان يعمل على حل مشاكلهم و التقرب اليهم , و مما لا شك فيه ان نجيب كان شخصا لا مأخذ عليه , و لكن اللافت للنظر فى مذكراته التى روى فيها كيف "كان رئيسا لمصر" نجد التناقض الشديد بين ما يقتنع به و بين ما ينفذه و يزيل امضاؤه عليه , من قانون الأصلاح الزراعى لحل جماعة الأخوان للأعتقالات لحل الأحزاب و حتى فى قرار الأستقاله الذى اخذه ثم عاد فيه , ليس هذا اتهاما للرئيس محمد نجيب بشيئ قد يقلل من شأنه بقدر ما هى رؤية ان طبيعته السياسيه المتأرجحه جعلت تودد جماعة الأخوان اليه سهلا و تسببت فى الوقيعه بينه و بين باقى مجلس قيادة الثوره , و هو ما انتهى فيما بعد بتحديد اقامته و عزله من منصبه.
حين احتاج الضباط الأحرار لأسم كبير يمثلهم بدلا من ان تظل حركة من شباب الضباط قد لا يقتنع بهم جموع الشعب المصرى المعتاد على ان يحكمه و يخطب فيه اصحاب الشعر الابيض و الوجوه التى تحمل تجاعيدا بعدد السنين التى عاشوها , فلجأوا اول ما لجأوا الى عزيز المصرى و الذى كان ابا روحيا لحركتهم و منظرا لهم فى كثير من اوقات تحضيرهم للحركه , و لكنه رفض لكبر سنه و تقديره انه لا يستطيع تحمل مثل هذه المسئوليه فى هذا السن , فكان محمد نجيب , و الذى كان مقربا من عبد الحكيم عامر و بالتالى تعرف على عبد الناصر و أيد افكاره و قبل بهذه المهمه الشرفيه , لم يكن يحضر اجتماعاتهم و لا تحركاتهم لا قبل و لا بعد الرئاسه , كان على ما يبدوا مقتنعا بدور الحامى و المضحى و الاب الروحى دون ان يطلب ما هو اكثر , فهذا الجندى الحاصل على نجمة الشرف العسكريه و المثقف المتقن لسبع لغات , كان يعلم فى قرارة نفسه انه مؤيد اكثر من قائدا , واجهه مشرفه اكثر من عقل مدبر.
قرر مجلس الثورة الغاء جميع الأحزاب السياسيه و هو ما يعنى الغاء الديموقراطيه لفساد الحياه النيابيه قبل الثورة , و كان هذا القرار على هوى الأخوان و مرشدها المستشار السابق حسن الهضيبى و الذى قال ان الأحزاب تعمل لوجه الشيطان !! انهم الأخوان الذين يوهمون الناس انهم من انصار الديموقراطيه و التعدديه الحزبيه لضمان صلاح الحياه السياسيه و القرار التوافقى , بينما مرشدهم يرى ان هذا الجرم من صميم عمل الشيطان , الحقيقه الأكثر تجليا انهم كانوا بهذه المباركه لقرار حل الأحزاب يريدون الشماته فى عدوهم اللدود , الوفد , فطالما تم حل الوفد فلا تنظيم على الساحه غيرهم و هم ليسوا حزب سياسى حتى يشمله قرار الحل , هم جماعه دينيه و الدين منهم براء.
و هنا نرى شخصا قريبا من عبد الناصر و باقى قادة مجلس قيادة الثورة , شخصا ظهر فى هذه الفتره منذ نجاح ثورة الثالث و العشرين من يوليو بل و قبلها بقليل , لم يكن ايضا حتى هذا الوقت عضوا فى جماعة الأخوان , فكان مرجعا لأفكار الضباط الاحرار عن العداله الأجتماعيه و رفض القهر و الأستعباد , و لكن ما ان اصابته لعنه الأخوان , حتى تحول الى رجلا تكفيريا و نبذ نفسه عن كل ما كان قد حققه فى حياته الأدبيه و الفكريه بل و السياسيه و تحول لعدو الثورة الأول و المحرض الرئيسى فكريا على الفوضى و الكراهيه , انه سيد قطب , لم يظلمه عبد الناصر و رفاقه بل هو الذى ظلم نفسه حين قرر ان يتخلى عن الوطن فى سبيل الجماعه , فكلمة الوطن باقيه حقا و الجماعه الى زوال , و اختار قطب الجماعه , فكان مصيره الزوال كما سنروى فيما بعد.
بعد نجاح حركة الضباط الأحرار , تصدر المشهد السياسى فى مصر عدد من الشخصيات ممن ارتبط اسمهم بأسم جماعة الأخوان المسلمين , فى الفتره ما بين 1952 و حتى نهاية 1954 كانت فتره ملحميه فى علاقة الثوره و ضباطها بجماعة الأخوان , فنجد مجموعة من الأسماء الهامه و التى على اساسها ستبنى "حدوته" الثورة و الأخوان خلال هذين العامين , هذه الأسماء تتلخص فى رئيس مصر اللواء محمد نجيب , البكباشى عبد المنعم عبد الرؤوف , المستشار عبد القادر عوده , الشاعر و الاديب سيد قطب و المستشار الهضيبى مرشد الجماعه على استحياء و اخيرا محمود عبد اللطيف منفذ محاولة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر.
بدأت الأخوان فى فرض نفسها و محاولة ركوب الثورة كعادتهم و عرض طلباتهم المستمره على مجلس قيادة الثورة , حاول الأخوان ان يجعلوا ثورة 23 يوليو هى ثورة الأخوان و لكن ابى عبد الناصر و رفاقه الا ان تكون ثورة الشعب , كانت الطلبات متمثله فى الأطلاع على كل قرار قبل اعلانه , تشكيل الوزاره لابد ان يكون تحت اعينهم و بموافقتهم , حتى ان مجلس قيادة الثورة طلب منهم ترشيح ثلاث اسماء منهم ليكونوا وزراء فى اول حكومه بعد الثوره , فرشحوا اسماء غير معروفه و لم يتقبلها الضباط الأحرار فقد ارادوا اسماءا لها ثقل مجتمعى و خلفيات سياسيه حتى تكون حكومة الثورة من النخبه و يستشعر الشعب بداية التغيير , فطلب عبد الناصر اسم الشيخ الباقورى , فرفض الأخوان , و لكن الباقورى وافق على خدمة الثورة و الوطن و فضلهم على الجماعه و قرارها , فكان مصيره ان فصل من جماعة الأخوان , و عينته الثورة وزيرا للأوقاف.
ايضا حاول الأخوان اضافة اللمسات الأسلاميه الى قرارات الثورة , فأن لم يكن لنا وزراء او اعضاء بالقياده , فيكفى ان يستشعر المواطن من القرارات التى تتخذ انها قرارات تنتمى الى فكر الجماعه الذى نوهم به الساذجين من اعضاء التنظيم , فيعلم الجميع اننا من نقف خلف كل قرار , مثل طلبهم بفرض الحجاب على الشعب , رغم ان الكثير من بناتهم فى هذا الوقت "اقصد قيادات الجماعه" لم يكن محجبات اصلا , و لكنها عباءة الدرويش التى ينخدع بها المغيبين , و هو الطلب الذى ايضا عارضه عبد الناصر ليس لشيئ الا لأنه لم يكن وقت مثل هذه القرارات المجتمعيه , فالوطن فى حالة ثورة , و الشعب يغير جلده , يتخلص من الاستعباد و الاستعمار و الذل , و هذا شأن مؤسسات مثل الازهر و الاوقاف تتخذه كقرارا وقتما ترتأى صحته و وجوبه , و غيرها من الطلبات و العراقيل و التحكمات و التى ان دلت على شيئ لا تدل الا على دنو فكر الاخوان و عدم اهتمامهم بقضية الوطن , هم لا يعلون الا قضية الجماعة فقط , لا ينتمون لثورة او لشعب او لمستقبل امه , هم ينتمون فقط للجماعه .
و بدأ عبد الناصر يجرى مفاوضات مع المحتل الانجليزى للوصول الى اتفاقية جلاء , و لكن لم يكن هذا يهم الأخوان فى شيئ و خرجوا ينددوا بهذه المفاوضات حتى قبل ان يعرفوا بنودها , فهم يريدوا ان يضعوا العراقيل فقط امام مستقبل مصر و مستقبل ثورة 23 يوليو , و هددوا ان الاتفاقيه لن تمر على خير , و حدثت مظاهرات و اشباكات بجامعة القاهرة و غيرها من الميادين بمصر و وقع ضحايا و مصابين , الأمر الذى انتهى بأن اتخذ مجلس قيادة الثورة قراره بحل جماعة الأخوان للمرة الثانيه فى تاريخها فى عام 1953 , و صدر الأمر بأعتقال العديد من اعضائها و منهم المستشار السابق الهضيبى مرشد الجماعه .
و كان من ضمن من صدر ضدهم الأمر بالأعتقال , البكباشى عبد المنعم عبد الرؤوف , كان عبد المنعم عبد الرؤوف عضوا اصيلا فى جماعة الأخوان المسلمين قبل ان يبدأ تنظيم الضباط الأحرار فى التكوين , و كان همزة الوصل بين الحركه و بين تنظيم الأخوان فى الشهور الاولى من تكوين الحركه و تخطيطها لعمل الثورة و التحرك العسكرى و الشعبى الذى انتهى بأعلان بيان الثورة فى الثالث و العشرون من يوليو , و بعدها طلب مجلس الثورة من عبد المنعم عبد الرؤوف ان يتحلل من انتمائه لجماعة الأخوان و يكمل معهم مشوار الثورة الذى بدأوه , الا انه رفض , فقد كان مرض الاخوان قد تمكن من جسده و صارت الجماعه عنده هى الأصل و بدونها لا معنى لحياته او لدينه او لوطنه , كما يتوهمون , و لذا كان قرار ناصر اقصائه من مجلس القياده و ابعاده عن اى موقع يسمح له بمعرفة القرارات او يقربه من مركز العمليات , فظل يتنقل من وظيفه عسكريه الى اخرى و من سلاح الى سلاح حتى انتهى الى وظيفه مكتبيه مدنيه داخل الجيش , و كانوا يرصدون تحركاته و يعلمون علاقته بالتنظيم الاخوانى و بنظامهم السرى الخاص المسلح , و لذلك كان اسمه من ضمن اسماء المعتقلين فى عام 1953 بعد حل الجماعه و توجيه تهم العمل على قلب النظام و زعزعة الأمن , الا ان عبد المنعم عبد الرؤوف استطاع بطريقه او بأخرى ان يهرب من السجن الحربى , و اختبأ عند احد "أخوانه" , و يروى فى مذكراته كيف انه هو الذى انتقى محمود عبد اللطيف منفذ محاولة اغتيال عبد الناصر فى 1954 , و قام بتدريبه و اعداده لهذه المهمه , انها لعنة الأخوان , من يصاب بها تعمى بصره و بصيرته , فلا يراعى اهلا او اصدقاء و يبحث فى الدين عما يجعله يبرر ما يفعله من قتل و غدر , لقد حاول معه عبد الناصر حتى بعد ان انفصل عن مجلس قيادة الثورة تعددت اللقاءات بينه و بين عبد الناصر محاولا اقناعه بأن يبتعد عن هذا التنظيم الارهابى "كما يروى هو نفسه فى مذكراته و لكن بدون كلمة ارهابى" , و لكنه يأبى الا ان يكون عبدا للتنظيم و انتهى به الحال مخططا و مدبرا لقتل احد اصدقائه و زعيما قوميا بقدر جمال عبد الناصر.
و بين قرار حل الجماعه و انتهاء شهر العسل بين الأخوان و عبد الناصر , بين عبد القادر عوده و سيد قطب اصدقاء عبد الناصر , بين رئيس جمهوريه شرفى و مرشد جماعه ضعيف , و بين ثورة شعب و غدر جماعه , توالى الصدام الدموى الذى انتهى بحادث المنشيه الشهير و محاولة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر ....
و للحديث بقيه ....
د.حاتم حلمى عزام

للتواصل https://www.facebook.com/hatem.azam.5?ref=tn_tnmn

الحلقات السابقه http://hatemazzam.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق