الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

ليسوا ثوارا و ليسوا احرارا "الحلقه الرابعه"

ثلاثة من الرجال فى سن الشباب يصعدون سلما لعماره قديمه بحى السيده زينب و يطرقون باب شقه بالدور الثانى , ليفتح لهم الباب رجلا يبدو انه تجاوز الاربعين من عمره و يسمح لهم بالدخول مرحبا بهم , واحد من الثلاثه كان يتعامل مع المكان بصوره تظهر انها ليست اول زياره له بينما ظل الاثنين الأخرين يستكشفون تضاريس المكان و تفاصيله بنظرات الزائر لأول مره , جلسوا الأربعه بغرفة الصالون و بدأ صاحب المكان و كانوا ينادونه "عبد الرحمن" , بدأ يتحدث الى الرجلين و يشرح لهم تفاصيل و شروط و واجبات الأنضمام الى الجماعه , و ان البيعه التى هم مقدمون عليها خطوه هامه و فارقه و لا يجب اتمامها الا لو كانوا على قناعه تامه , و بدون مناقشه تذكر ابدى "جمال" و "خالد" موافقتهما على كلامه , و عندئذ بدأ "عبد الرحمن" فى ادخالهم واحدا تلو الأخر بغرفة المبايعه , شبه مظلمه , لا يرى المبايع وجه الشخص الذى يبايعه , و يضع يده على المنضده حيث يوجد المصحف و المسدس , و يقسم بالبيعه و بالسمع و الطاعه و بالتضحيه بالدم و الروح ...
انتهى الرجلان من البيعه و خرجا من الغرفه و هم مذهولين مما رأوه , و هموا بالأنصراف , ودعوا الرجل الذى استقبلهم و المدعو عبد الرحمن "السندى" , و الذى كان مسئول النظام الخاص بجماعة الأخوان , و خرجوا و بصحبتهم رفيقهم الثالث الذى قادهم الى المكان , و بمجرد خروجهم , نظر خالد "محى الدين" الى جمال "عبد الناصر" نظرة معروف ما ورائها من اسئله و فهمها جمال فسارعه قائلا "نتكلم بعدين مش دلوقتى".
كان الزعيم الخالد جمال عبد الناصر يتمتع بعقليه سياسيه و عسكريه فذه , لا يخطو الخطوه الا و قد حسب لها من الحسابات و قدر عواقبها القريبه و البعيده بكل حذر , و حين قرر مع زملائه الشروع فى تنظيم الضباط الأحرار ليكون اليد المنفذه لثورة الشعب المصرى ضد فساد الملك و سطوة الأحتلال الأنجليزى و محاربة الأقطاع و الأنتصار لحقوق الشعب المصرى فى العزه و الكرامه , كان لابد ان لا يترك بابا الا و يطرقه او تنظيما من شأنه ان يساعده هو و زملائه فى حركتهم التاريخيه , و من اهم هذه التنظيمات كان تنظيم الأخوان , لم يكن ناصر او خالد محى الدين او غيرهم من الضباط الأحرار اعضاءا فى جماعة الأخوان يوما , و لكن انضمامهم للنظام الخاص كان من قبيل التعرف على الأفكار و نشود المسانده فى الحركه التى يخططون للقيام بها , و الغريب ان نرى ان جماعة الأخوان تسنفذ الشباب فى درجات التحول من شخص طبيعى الى ان يصل الى مرحلة المبايعه ما بين الدروس و التوجيهات و فرق الجواله و التدريبات حتى يتأكدوا من صلاحيته و قدرته على خدمة النظام الخاص , اما فى حالة عبد الناصر و غيره فلم يتكبدوا مشقة الدعوه و التوجيه بل ادخلوهم الى مرحلة البيعه مباشرة , و هذا من صميم فكر الجماعه , فليس هدفهم كما يدعون الدين او التدين او الجهاد فى شيئ , فعندما وجدوا ان لأعضاء حركة الضباط الأحرار فائده من التعاون معهم , فقرروا ان ينظموا العمل بين نظامهم الخاص و بين حركة الجيش , و حفظا لماء الوجه امام باقى الأعضاء الممسوخ عقلهم , فكان لابد من ان ينفذوا الضباط البيعه بشكلها الماسونى المعروف حتى لا يتخلل الشك الى نفوس المغيبين من باقى اعضاء النظام.
قرر ناصر و محى الدين الخروج من هذا النظام الخاص للجماعه بمجرد ان خرجوا من باب العماره التى اتموا فيها بيعتهم , و توالت بعدها زياراتهم لعدد من التنظيمات الأشتراكيه و الشيوعيه , لم يتركوا بابا الا و قد طرقوه حتى تكون لحركتهم النافذه لثورة الشعب تأييدا شعبيا لا يعيق استكمال خطواتهم نحو التحرر و العداله.
بعد اغتيال البنا , تشرذمت جماعة الأخوان , و تفرقوا ما بين معتقل و هارب , اختفت الجماعه عن الساحه السياسيه و المصريه طيلة العام الذى تلا اغتيال البنا , حتى جاء عام 1950 و بدأت محاولات الجماعه فى الظهور مرة اخرى على استحياء.
و رغم العداء المحتدم بين الجماعه و حزب الوفد فقد ارتأى هذا التنظيم البرجماتى ان مصلحته الأن تقتضى التعاون مع حزب الوفد حتى يتسنى له الظهور على الساحه مره اخرى , و كان خطأ تاريخى وقع فيه الوفد ان لوث سمعته الوطنيه و رموزه الساطعه فى تاريخ مصر و وافق على التعاون مع الاخوان , كان الاتفاق ينص على ان يساعد تنظيم الأخوان حزب الوفد فى الأنتخابات و تولى الحكومه على ان يقوم الوفد فى المقابل بالأفراج عن اعضاء التنظيم المعتقلين
و بالفعل بدأ الأخوان فى الظهور الى الساحه السياسيه مره اخرى , و لكن هذه المره فى صورة التنظيم السياسى الذى يدير اموره بطريقه مجتمعيه بعيده عن الاعمال السريه و التفجيرات و الأغتيالات , و دارت المقترحات حول من يتولى منصب المرشد العام خلفا لأمامهم البنا , كانت من الاسماء التى اقترحها بعض الاعضاء و كانت تلقى قبولا لدى القصر و الملك هو اسم الشيخ الباقورى و الذى زار بعض المعتقلين من اعضاء التنظيم ليشاورهم فى الامر و لكنهم رفضوا بشده , و كان السبب ان الباقورى لم يكن على علم بكل تنظيمات الأخوان السريه و خاصة النظام الخاص و كذلك سلاح الوحدات , و هنا يجب ان نتوقف عند كلمة "سلاح الوحدات" و الذى كان مسئولا عنه صلاح شادى ...
هذا التنظيم الذى كان يضم ضباطا من الجيش و الشرطه ممن يدينون بالولاء لجماعة الأخوان , قد يحاول البعض ان يقارن سلاح الوحدات الأخوانى بتنظيم الضباط الأحرار و لكن شتان الفارق , فالضباط الأحرار قد يكونوا قد اختلفوا بالفعل مع قياداتهم و قرروا القيام بحركه عسكريه غير مسبوقه فى التاريخ المصرى الحديث و لكنهم كان ولائهم و انتمائهم قبل و بعد الثوره فقط للوطن و للشعب المصرى دون انشقاق او خيانة و لكن سلاح الوحدات الأخوانى فالضباط التابعين له ولائهم الأول و الأخير للجماعه , فهم جنود للجماعه و ليس لمصر و لا يستطيعون ان يقفوا موقف الحياد فى اى خلاف سياسى يتطلب التدخل منهم بحكم شرعيتهم كجيش و قوه امنيه وطنيه , و لعل اوضح صوره لهذا الفرق هو عبد المنعم عبد الرؤوف و الذى كان واحدا من الضباط الأحرار و عضوا بجماعة الأخوان , و بعد نجاح الثوره و الاتجاه الى ان يكون تشكيل مجلس الثوره خاليا من اى انتماءات حزبيه او توجهات دينيه و طائفيه , عرضوا على عبد المنعم عبد الرؤوف ان يختار ما بين الوطن او الجماعه و كان اختياره هو الجماعه , و هذه الخطوه تبلور و بشده فكر هذا التنظيم الذى يدين كل افراده بالولاء للجماعه فقط دون اى اعتبار لأى اولويات اخرى حتى لو كانت الدين او الوطن , ذلك انهم يتوهمون انهم هم الاسياد و ينظرون للشعب نظرة دونيه , فلا جيش او شرطه او ازهر او حكومه او قضاء افضل من الجماعه , و هو الفكر الذى يصنع منهم جماعه منبوذه و محظوره من داخلها قبل ان ينبذها المجتمع او يحظرها القضاء , و من المؤسف حقيقة ان هذا السلاح لازال يعمل ببعض افراد ينتمون الى مؤسستى الجيش و الشرطه فى سريه دون ان يتعرف عليهم الشرفاء ممن يحملون امانة الوطن و لكن الجيد انهم كما بدأوا يستمرون , قله خائفه منبوذه ينتمون لجماعه محظورة اقل ما توصف به انها ارهابيه.
بعد رفض الباقورى لتولى مهمة المرشد , ظهر توجه جديد تماما و اسم لم يكن ينتمى اصلا للأخوان , كانت تربطه صداقه قويه بحسن البنا , المستشار حسن الهضيبى , و الذى كان قاضيا بمحكمة النقض , و لاقى هذا الأسم قبولا داخل القصر و عند الحكومه المصريه و لكن هذا القبول لم يكن بنفس الدرجه داخل الجماعه , فقد رفضه الكثير من الأخوان و السبب انه لم يكن عضوا تنظيميا بارزا داخل جماعتهم , و كان ابرز الرافضين هو الشيخ الغزالى و الذى استشاط غضبا من اختيار الهضيبى كمرشدا عاما للجماعه و كان داخل المعتقل , فكتب من هناك عددا من الرسائل و المقالات هاجم فيها الهضيبى بشده و كشف حقيقة ان الهضيبى ماسونيا و ينتمى للتنظيم الماسونى العالمى و انه يمثل خطرا على الدعوه و على الجماعه , و هو نفس الكشف الذى ذكره العقاد و غيره من المحللين للوضع السياسى فى مصر سواء كانوا من داخل الجماعه او خارجها.
لم يكن الهضيبى وحده هو الذى ينتمى للتنظيم الماسونى , فهناك ايضا مصطفى السباعى مرشد الأخوان بسوريا و غيرهم , كما ان تنظيم الجماعه هيكليا و طريقة المبايعه كلها تحمل الفكر الماسونى و تثير الشكوك حول علاقة هذة الجماعه بالماسونيه العالميه+ و الذى يهدف الى التمكين و الأستاذيه فى السعى نحو السيطره على زمام العالم بأسره.
و منذ تولى الهضيبى كمرشدا ثانيا للأخوان , نرى عددا من المواقف توضح طريقة تعامل الجماعه الدموى فيما بينهم , فما بالك بطريقتهم مع المجتمع الذى يرونه أقل منهم و يكفرونه و يصورون لأتباعهم انه مجتمع جاهلى كافر.
أول هذه المواقف حين هاجم الرافضون للهضيبى مقر الأخوان و احتلوه و هددوا الهضيبى و حاولوا ان يرغموه على التخلى عن منصبه هذا , و حدثت اشتباكات و سقط المصابون مدرجون فى دمائهم , و لكن انصار الهضيبى استطاعوا ان يطردوا المعارضين و سيطروا على وضعهم و وضع مرشدهم و "شرعيته".
الموقف الثانى نعايش فيه غدر و دموية هذا التنظيم , حين اراد الهضيبى ان يجمل صورة الجماعه و يغسل يديها من كل الدم الذى لوثها خلال الأعوام الأخيره , فقرر "ظاهريا" ان يحل النظام الخاص , هذا التنظيم العصابى الأرهابى الذى قتل و اغتال و فجر و تسبب فى الفوضى بالشارع المصرى , لكن الحقيقه انه فى الخفاء اسند الى "سيد فايز" مهمة اعادة تشكيل النظام الخاص بأفراد و وجوه جديده لا تكون مكشوفه و محروقه , و هذا بالطبع اثار غضب عبد الرحمن السندى القائد الأول للنظام الخاص و اتباعه و كان قرارهم هو اغتيال سيد فايز , فأرسلوا له فى المولد النبوى علبة حلوى مفخخه و فتحها سيد فايز فأنفجرت بوجهه و تسببت فى موته هو و اخيه الصغير و طفله كانت تسير اسفل بلكونته فأنهارت عليها البلكونه و قت الأنفجار !!! انهم يقتلون بعضهم و يستبيحون دماء بعضهم و يتصارعون فيما بينهم على السلطه , فتصور كيف يكون تفكيرهم تجاه فكرة تداول السلطه و الديموقراطيه مع افراد من الشعب ممن لا ينتمون اليهم , و هو ما اكدته الجمله التى قالها الفريق "عبد الفتاح السيسى" فى اعقاب ثورة 30 يونيو و فى شهادته انه سمع من رئيس الجمهوريه الأخوانى محمد مرسى جملة "احنا هنحكم 500 سنه" , و لم لا ؟ فكل من يكون عقبه امامهم لا يزيد ثمنه عن ثمن الرصاصه التى تستقر بقلبه و بعدها لا عائق امام رغبتهم فى السلطه المطلقه ...
عادت الجماعه بعد حلها للعمل تحت قيادة المرشد الثانى حسن الهضيبى و الذى فضل الجماعه على القضاء , استقال من كرسى يجلس عليه ليحكم بين الناس بالعدل و يكون فيه ممثلا لأسم من اسماء الله الحسنى و خادما للشعب ليستبدله بكرسى الجماعه , فهل بعد الجماعه شيئ ؟ هكذا يتوهمون.
و ظلت الجماعه تسير و حركة الضباط الأحرار تتقدم و الشارع يغلى و القصر يمتلئ بالفساد , و احترقت القاهره فى يناير 1952 و كانت ايذانا ببدء التحرك العملى لحركة الجيش حتى ينقذ مصر مما ألت اليه من تردى و طغيان , و اصدر مجلس قيادة الثوره بيانه الأول فى الثالث و العشرين من يونيه من عام 1952 معلنا صوت الشهيد انور السادات انتهاء عصر الأستعباد و الاحتلال و الفساد ليبدأ عصر جديد من العزه و الحريه و العداله الأجتماعيه , و زيل البيان امضاء محمد نجيب و الذى سيصبح اول رئيسا لمصر بعد الثوره .
أيد الأخوان الثوره كعادتهم , فهم لا يبدأون شيئا ابدا , هم يستغلون اى موقف وطنى ليلفتوا الأنظار بحشودهم و التى ليست بالكثيره و لكنها منظمه , و بهذه الحشود يدعون انهم هم اصحاب الحدث , و كأن العمليه السياسيه و الحراك الوطنى هو فقط حشودا و هتافات , فلا قيمة للعقل و التخطيط و التضحيه و الجرأه فى اتخاذ الخطوه الأولى و الأهم , فهذه اشياء لا تتقنها الجماعه , هم فقط يتقنون الحشد و احداث الفوضى و العمل السرى من اغتيال و غدر .
و مع بداية عصر ما بعد ثورة 1952 , كانت قد انتهت دعوة الأخوان الدينيه تماما و كان توجههم سلطوى سياسى بنسبة مائه بالمائه , و لكن مجلس الثوره و ضباطه الأحرار المخلصين لقضيتهم الوحيده و هى الوطن لم يكونوا ليسمحوا لفصيل واحد بعينه أن يتصدر المشهد الثورى , فقد كانوا على قناعه ان الثورة ثورة الشعب كله من اجل حياه كريمه , و كانوا ايضا يعلمون جيدا أن تنظيم الأخوان ليسوا ثوارا بل و ليسوا احرارا , و من هنا بدأ الصدام بين الثوره و الأخوان ....
و للحديث بقيه
د.حاتم حلمى عزام

الحلقه الأولى "الساعاتى" http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1261907&SecID=190&IssueID=168
الحلقه الثانيه "حامى المصحف و الحاج محمد هتلر"
الحلقه الثالثه "و مات المرشد وحيدا"
للتواصل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق