الثلاثاء، 17 سبتمبر، 2013

الساعاتى .. الحلقه الأولى

لم يكن يعلم ان هذا سيكون مصيره , لم يدرى ان فكرته الدعويه الروحانيه قد تتحول يوما الى ارهابا و اجراما و دما يملأ الطرقات و يدنس تراب الوطن الطاهر , كان ذكيا و فطنا , الأول على دفعته بدار العلوم حيث تخرج , لبقا , ساحر فى حديثه , كل من قابله اتفق او اختلف معه اقر و سلم بأنك لابد ان تحبه حين تتحدث اليه , كان حسن البنا او المرشد كما كان يحب ان ينادى هو بذرة تنظيم الاخوان , اختلفت الرؤى حوله و تباينت الأراء , فمنهم من يراه اماما مسلما اهتم بالدعوه و نشر تعاليم الاسلام التى كانت حسب وجهة نظره قد بدات تتلاشى من المجتمع فى ظل الليبراليه الهادره التى اجتاحت المجتمع فى فترة العشرينيات , و منهم من يراه عقليه قياديه فريده , لم يكن الدين و الدعوه هدفه الوحيد و ان كانت من ضمن اجندته السياسيه و لكن هدفه الاسمى و الذى دأب على تحقيقه بالتخطيط و السعى المضنى هو الوصول للسلطه , و معه بدأت فكرة التمكين , و الأستاذيه .
كان البنا ابنا لأحمد عبد الرحمن البنا و شهرته الساعاتى , والده كان مأذونا و امام مسجد بالمحموديه , و ورث مهنة الساعاتى من اسلافه و اورثها بدوره لأبنه حسن البنا , فكان البنا و هو طفلا و شابا يعمل بمهنة الساعاتى قبل ان ينهى دراسته و يمتهن التدريس , و لعل هذه المهنه جعلته يراقب عقارب الزمن و هو يمر , و ما بين افكار التجديد و التنوير فى هذا العصر , قرر البنا ان يجعل لساعته عقارب خاصه , هى مجازا يطلق عليها عقارب , و لكن بعد سنين من ذلك الوقت , سيصبح المجاز واقعا , و يتحول الأخوان الى عقارب تلدغ امن الوطن و تسمم نسماته العطره بأفكار و مؤامرات لم يشهدها الشارع المصرى من قبل.
و عندما كان فى عامه الثالث عشر انطلقت بمصر موجه شعبيه عارمه , لم يكن البنا يدرك مطالبها لصغر سنه و لكنه و لحداثة رغبته فى الزعامه , قرر ان يكون مشاركا لهذه الجموع التى خرجت فى شوارع مصر تعترض على نفى الزعيم سعد زغلول مرددين كلماته "الأستقلال التام او الموت الزؤام" , رددها البنا ذلك الصبى و هو يكاد يفقه ما يردده بصعوبه و لكنه منتشيا بمشاركته و بالروح الثوريه التى اتقدت بداخله و لم تنطفئ الا بأنطفاء نور حياته بعد سنوات من هذه اللحظه.
و لعل من يرى الطفل او الشاب الصغير حسن البنا فى اثناء دراسته بمدرسة الرشاد الاعداديه يتعجب من هذا السلوك و هذا المنحى المختلف عن اقرانه , "جمعية الأخلاق الأدبيه" "جمعية منع المحرمات" , كل هذه و غيرها كان اسماء لجمعيات انشأها حسن البنا , الصبى الصغير بالأعداديه !
حتى حين التحق بمدرسة المعلمين , لم تتوقف جمعياته عن التكوين واحده تلو الاخرى و اهمها كانت "الجمعيه الحصافيه" فقد كان البنا فى هذا الوقت معجبا بالفكر الصوفى الحصفى.
وحدث بعد ذلك حدثا جللا , اثر فى كافة ارجاء البلاد الأسلاميه , فى عام 1924 و كان حسن البنا فى سن الثامنة عشر , انقلب الجيش التركى على السلطان عبد المجيد الثانى , ليصبح اخر خليفه عثمانى , الغى اتاتورك الخلافه العثمانيه , فالخلافه فقدت شرعيتها العالميه حين فقدت تبعية باقى الدول الاسلاميه لها بل و حاربوا بعضهم البعض تحت امرة المحتلين , و استنزفت الخلافه العثمانيه كل موارد الممالك التابعه لها و اصبحت عائقا امام اى نمو او ازدهار , هكذا قال اتاتورك فى روايته لأسباب الغاء الخلافه العثمانيه.
و كالعاده , حدث مثل هذا يؤثر على طائفتين من الناس و كل له منظوره , الطائفه الأولى هى طائفة عامة الشعب او الشعوب , الذين مهما بلغت رغبتهم فى التحرر , و مهما بلغ نقدهم و بغضهم للأنظمه الحاكمه , سرعان ما ينتابهم الشعور بالفراغ حين يفقدوا هذا الكيان الذى كانوا بالأمس يستندون اليه و هم ناقمون و ساخطون , و الطائفه الثانيه , اصحاب المطامع و الساعون وراء المناصب التى بها يحكمون و يملكون و يأمرون فيطاعون , و كان سقوط الدوله العثمانيه مطمعا لهم , فحاول الكثيرون ان يفرضوا انفسهم كورثه لمنصب الخليفه , الملك فؤاد , ملك السعوديه , و حسن البنا !!!
"وضعت الخلافه لوراثة النبوه" هكذا ادعى البنا و صدقه مريديه , فأشعلت فكرة الخلافه لديه نارا فوق نار حماسه و زادته يقظه و همه , فماذا غير الخلافه يحقق له حلم التمكين و يطفئ نار الزعامه و القياده داخل صدره , و منصب الخليفه الأن خاوى , فلماذا لا يكون هو ؟!
و من المحموديه الى الاسماعيليه , انتقل حسن البنا الساعاتى ليعمل مدرسا هناك , و الواقع انه ليبدأ رحلة البناء , بناء هذا التنظيم الذى ما ان وجد و استقر بمصر حتى سالت دماء المصريين و انتهك امنهم و عكر صفو حياتهم
و للحديث بقيه .....

د.حاتم حلمى عزام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق